الأحد 13 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

هل يتجاوز النفط 126 دولارًا مجددًا؟.. هرمز يشعل مخاوف الأسواق

الأحد 13/سبتمبر/2026 - 09:00 ص
النفط
النفط

لم تعد حركة أسعار النفط مرتبطة فقط بمعادلات الإنتاج والاستهلاك ومستويات الطلب العالمي، بعدما أصبحت التطورات الجيوسياسية عاملًا أساسيًا في تحديد اتجاهات السوق، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، التي دفعت خام برنت إلى رحلة سعرية شديدة التقلب، عكست حجم المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات وحركة الملاحة في منطقة الخليج.

ففي 19 فبراير 2026، كان خام برنت يتحرك عند نحو 71.66 دولارًا للبرميل، قبل أن يبدأ موجة صعود قوية مع تصاعد التوترات، وصلت بالأسعار إلى مستويات تجاوزت 126 دولارًا في أواخر أبريل.

 وبعد ذلك، تبدلت الصورة بصورة حادة، ليتراجع الخام إلى حدود 72 دولارًا في يونيو ويوليو، قبل أن تعود موجة الصعود مجددًا خلال سبتمبر، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل.

هذا المسار السعري لا يعكس تغيرًا بسيطًا في حركة النفط، وإنما يكشف عن مدى تأثر السوق بتغير التوقعات السياسية والأمنية. فكلما ارتفعت المخاوف بشأن استمرار الصراع أو تعطل طرق الإمداد، اتجه المتعاملون إلى تسعير مخاطر أكبر، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى في ظل عدم حدوث نقص فعلي كبير في الإنتاج.

القفزة الأولى.. عندما تجاوز النفط 126 دولارًا

قبل تصاعد الحرب، كان خام برنت يتحرك بالقرب من مستوى 70 دولارًا للبرميل، لكن اتساع نطاق المواجهة وزيادة المخاوف بشأن إمدادات الخليج دفعا السوق إلى مرحلة جديدة من الارتفاعات.

وخلال مارس، سجل النفط واحدة من أقوى موجات الصعود، بعدما ارتفع خام برنت بأكثر من 50% خلال الشهر، ووصل في إحدى جلساته إلى نحو 119.50 دولارًا للبرميل.

واستمرت الضغوط الصعودية حتى أواخر أبريل، عندما أغلق خام برنت عند 118.03 دولارًا في 29 أبريل، قبل أن يصل خلال تعاملات اليوم التالي إلى نحو 126.41 دولارًا للبرميل.

وبالمقارنة مع مستوى 71.66 دولارًا المسجل في 19 فبراير، فإن سعر البرميل كان قد ارتفع بأكثر من 54 دولارًا، بما يعادل زيادة تقارب 76% خلال أسابيع قليلة.

وكانت هذه القفزة بمثابة انعكاس مباشر لمخاوف السوق من أن يؤدي اتساع الصراع إلى التأثير في تدفقات النفط القادمة من منطقة الخليج، خصوصًا في ظل أهمية الممرات البحرية لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.

من القمة إلى 72 دولارًا.. لماذا تراجع النفط؟

لكن ارتفاع النفط لم يستمر بالوتيرة نفسها، إذ بدأت الأسواق في إعادة تقييم مخاطر الحرب مع تحسن توقعات التهدئة السياسية وتراجع المخاوف من استمرار تعطل تدفقات الخام.

وخلال يونيو، هبط خام برنت إلى حدود 72 دولارًا، ثم سجل في 6 يوليو نحو 71.99 دولارًا للبرميل، ليعود تقريبًا إلى المستويات التي سبقت الحرب.

وهنا تظهر طبيعة سوق النفط شديدة الحساسية للتوقعات؛ فالسعر لا يتحرك فقط بناءً على ما يحدث بالفعل في الإنتاج والإمدادات، وإنما يتأثر أيضًا بما يتوقعه المستثمرون بشأن الأيام والأسابيع المقبلة.

ومع انخفاض احتمالات حدوث اضطرابات واسعة في الإمدادات، تراجعت علاوة المخاطر التي كانت قد دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، لينخفض برنت بأكثر من 50 دولارًا مقارنة بقمة الأزمة.

عودة التصعيد تعيد النفط إلى دائرة الـ100 دولار

لم يكن التراجع إلى حدود 72 دولارًا نهاية لتحركات النفط، إذ عادت المخاوف الجيوسياسية إلى الواجهة مع تجدد التوترات العسكرية والقلق بشأن حركة الملاحة في الخليج.

وفي 22 يوليو، صعد خام برنت إلى نحو 94.07 دولارًا للبرميل، ثم واصل التحرك عند مستويات مرتفعة نسبيًا خلال أغسطس، قبل أن يدخل سبتمبر في موجة صعود جديدة.

وفي 8 سبتمبر، بلغ سعر برنت نحو 97.92 دولارًا، ثم تجاوز حاجز 100 دولار في اليوم التالي، مسجلًا 101.21 دولارًا.

وتواصل الصعود في 10 سبتمبر، عندما ارتفع خام برنت بأكثر من 6% ليغلق عند نحو 107.63 دولارًا للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 102.48 دولارًا.

وهكذا عاد النفط خلال فترة قصيرة إلى مستويات تجاوزت 100 دولار، بعدما كان قد اقترب من 70 دولارًا قبل أسابيع، وهو ما يوضح مدى سرعة انتقال السوق من حالة الاطمئنان إلى حالة القلق بمجرد تغير المعطيات الجيوسياسية.

مضيق هرمز.. لماذا تراقبه الأسواق؟

يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر المعادلة النفطية الحالية، باعتباره ممرًا استراتيجيًا لنقل الخام من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.

ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في حركة الناقلات عبر المضيق لا يعني بالضرورة توقف الإنتاج، لكنه يثير سؤالًا أكثر أهمية بالنسبة للأسواق: هل تستطيع الإمدادات المنتجة الوصول إلى المستهلكين في الوقت المناسب؟

ومن هنا تتشكل ما تعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الزيادة التي يضيفها المتعاملون إلى أسعار النفط تحسبًا لاحتمالات تعطل الإمدادات.

وكلما زادت المخاوف من تعطيل الملاحة أو تعرض منشآت الطاقة لأضرار، ارتفعت هذه العلاوة، وهو ما يفسر جانبًا من القفزات الحادة التي شهدها برنت خلال فترات التصعيد.

النفط فوق 100 دولار.. ماذا يعني للاقتصاد؟

لا تتوقف تأثيرات ارتفاع أسعار النفط عند سوق الطاقة، فاستمرار الخام فوق مستويات مرتفعة يمكن أن ينعكس على مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية.

ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة تكاليف النقل والشحن، كما يرفع تكاليف الإنتاج في بعض الصناعات، وقد يمتد تأثيره إلى أسعار عدد من السلع والخدمات، بما يزيد الضغوط التضخمية.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يضع ارتفاع أسعار الطاقة البنوك المركزية أمام معادلة أكثر صعوبة، إذ يصبح التعامل مع التضخم أكثر تعقيدًا في الوقت الذي تحتاج فيه الاقتصادات إلى الحفاظ على معدلات النشاط والنمو.

وبالنسبة للدول المستوردة للطاقة، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يعني زيادة فاتورة الاستيراد والضغط على الموازنات، بينما تستفيد الدول المنتجة بصورة أكبر من ارتفاع قيمة صادراتها النفطية.

ثلاث مراحل تكشف قصة النفط خلال الحرب

عند قراءة حركة خام برنت منذ بداية الأزمة، يمكن ملاحظة ثلاث مراحل أساسية.

بدأت المرحلة الأولى بصدمة الحرب، عندما انتقل النفط من نحو 71.66 دولارًا إلى قمة بلغت 126.41 دولارًا، مدفوعًا بمخاوف تعطل الإمدادات.

ثم جاءت المرحلة الثانية، مع تراجع المخاوف وتحسن توقعات التهدئة، لينخفض برنت إلى حدود 72 دولارًا في يونيو ويوليو.

أما المرحلة الثالثة، فتمثلت في عودة التوترات والمخاوف المتعلقة بالملاحة، ما دفع الخام إلى تجاوز 100 دولار مجددًا، وصولًا إلى 107.63 دولارًا في 10 سبتمبر.

وتكشف هذه المراحل أن سوق النفط أصبح أكثر حساسية للأحداث الجيوسياسية، وأن حركة السعر قد تتغير بصورة سريعة حتى دون حدوث تحول مماثل في مستويات الإنتاج العالمية.

ماذا ينتظر النفط خلال الفترة المقبلة؟

يبقى اتجاه أسعار النفط مرهونًا بدرجة كبيرة بمسار التطورات السياسية والعسكرية، إلى جانب وضع الإمدادات وحركة الملاحة والمخزونات العالمية.

وفي حال حدوث انفراجة سياسية وعودة مستقرة لحركة الملاحة، فقد تتراجع الأسعار مع انحسار علاوة المخاطر وعودة الأسواق إلى التركيز بصورة أكبر على أساسيات العرض والطلب.

أما استمرار التصعيد، أو وقوع أضرار جديدة في منشآت الطاقة، أو حدوث تعطلات واسعة في حركة ناقلات النفط، فقد يدفع الأسعار إلى موجة ارتفاع أخرى، خاصة إذا تزامن ذلك مع انخفاض المخزونات أو محدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية.

وبين قمة تجاوزت 126 دولارًا، وتراجع إلى حدود 72 دولارًا، ثم عودة إلى مستويات فوق 100 دولار، تبدو رحلة النفط خلال هذه الأزمة نموذجًا واضحًا لسوق أصبحت السياسة والجغرافيا والاستقرار الأمني جزءًا أساسيًا من معادلة تسعيرها، وليس مجرد عوامل جانبية إلى جانب العرض والطلب.