الفيدرالي الأمريكي بين التضخم واضطرابات الأسواق.. هل يثبت الفائدة هذا الأسبوع؟
يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي اختبارًا جديدًا مع اقتراب اجتماعه المرتقب هذا الأسبوع، وسط تصاعد الضغوط التضخمية وعودة الرهانات على تشديد السياسة النقدية، في مقابل مخاوف من اضطراب الأسواق المالية وتداعيات أي قرار مفاجئ قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن التوقعات تميل إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، رغم بيانات التضخم التي جاءت أعلى من المتوقع، ما يعيد الجدل حول توقيت الزيادة المقبلة وقدرة البنك المركزي على احتواء ارتفاع الأسعار دون إلحاق أضرار بالنمو الاقتصادي.
بيانات الأسعار تعيد حسابات السياسة النقدية
أظهرت بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين لشهر سبتمبر ارتفاعات تجاوزت توقعات الأسواق، ما أثار مخاوف من استمرار تعثر مسار تراجع التضخم نحو مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط ناتجة عن الرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع استمرار الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية التكنولوجية، وهي عوامل تدعم النشاط الاقتصادي لكنها تزيد الضغوط على الموارد وتكاليف الإنتاج.
ورغم هذه المؤشرات، لم يقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش إشارات واضحة إلى قرب رفع الفائدة. ففي تصريحات أدلى بها يوم 16 أكتوبر، أشار إلى أن أداء الاقتصاد يتماشى عمومًا مع التوقعات التي ناقشها المسؤولون خلال اجتماع سبتمبر، ما دفع الأسواق إلى تقليص رهاناتها على زيادة وشيكة.
الانتخابات الأميركية تزيد حساسية القرار
تأتي المداولات النقدية قبل أقل من أسبوع من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، وهو ما يضيف حساسية إلى توقيت القرار، رغم تأكيد مسؤولي البنك المركزي استقلال قراراتهم عن الاعتبارات السياسية.
ويرى روبرت كابلان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في دالاس ونائب رئيس «غولدمان ساكس» حاليًا، أن تثبيت الفائدة يمثل خيارًا أقل إثارة للاضطرابات في ظل الرسائل السابقة التي وجهها البنك إلى الأسواق.
ويتفق مارك جيانوني، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «باركليز»، مع هذا التوجه، معتبرًا أن تجنب المفاجآت قبل الانتخابات يدعم الإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير في الاجتماع المقبل.
خلاف اقتصادي حول موعد رفع الفائدة
في المقابل، يرى بعض الاقتصاديين أن تأجيل رفع الفائدة قد يفرض على البنك المركزي اتخاذ إجراءات أكثر حدة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وقالت كلوديا سام، الاقتصادية السابقة لدى الاحتياطي الفيدرالي، إن تقييم البيانات من منظور إدارة المخاطر يدعم رفع الفائدة خلال الاجتماع الحالي، بدلًا من الانتظار حتى ديسمبر.
لكن مؤيدين للتريث يشيرون إلى أن الزيادات المتباعدة تمنح صانعي السياسة النقدية وقتًا لتقييم أثر القرارات السابقة، خاصة أن توقعات معظم مسؤولي الفيدرالي في سبتمبر رجحت زيادة إضافية واحدة خلال العام الجاري.
وحذر جوناثان بينغل، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «يو بي إس»، من أن رفع الفائدة في اجتماعين متتاليين قد يدفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن البنك بدأ دورة تشديد أسرع من المسار الذي يستهدفه.
وأوضح أن التضخم الحالي يبدو عالقًا قرب مستوى 3%، بدلًا من تسجيل تسارع خارج عن السيطرة، وهو ما يميز الظروف الراهنة عن موجة التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2022.
سوق السندات يفرض معادلة أكثر تعقيدًا
تمثل التقلبات في سوق السندات الأميركية عاملًا إضافيًا يدفع نحو الحذر. فقد تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5% عقب زيادة الفائدة في سبتمبر، ثم ارتفع إلى أكثر من 5.3% خلال الأسابيع الثلاثة التالية، قبل أن يتراجع إلى 4.95% إثر موجة بيع في أسهم التكنولوجيا دفعت المستثمرين إلى شراء السندات الحكومية.
وبحسب التقرير، بلغ التراجع اليومي في العائد 0.19 نقطة مئوية، في أكبر انخفاض منذ انهيار بنك «سيليكون فالي» في مارس 2023.
ويرى كابلان أن التحركات الحادة في الأسواق تعزز أهمية تجنب القرارات المفاجئة التي قد تزيد التقلبات المالية وتؤدي إلى تكاليف اقتصادية إضافية.
انقسام داخل الفيدرالي بشأن حجم التشديد
تكشف مواقف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي عن تباين في تقييم الخطوات اللازمة لمواجهة التضخم. فقد اعتبر جون ويليامز، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وماري دالي، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، أن زيادة سبتمبر كانت إجراءً لإدارة المخاطر والحد من ترسخ التضخم.
لكن دالي عدلت تقييمها بعد صدور بيانات أسعار المستهلكين، مشيرة إلى أن احتمالات رفع الفائدة مجددًا أصبحت أكبر من احتمالات الإبقاء عليها.
في المقابل، تدعو لوري لوغان، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، إلى زيادة إضافية لا تقل عن نصف نقطة مئوية، بينما تفضل بيث هاماك، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إجراء زيادات أصغر ولكن بوتيرة أسرع لتجنب الحاجة إلى تحركات أكبر لاحقًا.
أما كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الفيدرالي، فيتبنى موقفًا أكثر مرونة، إذ يرى أن الزيادات لا يشترط تنفيذها في اجتماعات متتالية، لكنها ينبغي أن تتم ضمن إطار زمني مناسب.
ديسمبر محطة جديدة في توقعات الفائدة
إذا ثبت الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماع الأربعاء، فمن المتوقع أن يركز المستثمرون على تصريحات كيفن وارش بحثًا عن مؤشرات بشأن موعد الخطوة التالية.
وتشير توقعات الأسواق إلى احتمال رفع الفائدة في ديسمبر، بينما أضاف بعض المحللين احتمال زيادة أخرى مطلع العام المقبل بعد صدور بيانات التضخم الأخيرة. ويتراوح سعر الفائدة القياسي حاليًا بين 3.75% و4%.
وتزداد صعوبة القرار مع تزامن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مع قيود العرض وارتفاع تكاليف الطاقة، في ظل تداعيات الحرب مع إيران. ولا تستطيع أسعار الفائدة المرتفعة معالجة اختناقات الإمدادات بصورة مباشرة، وإن كانت قد تسهم في الحد من الضغوط التضخمية عبر إبطاء النشاط الاقتصادي.
وبناءً على هذه المعطيات، قد يكون تثبيت الفائدة هذا الأسبوع مجرد تأجيل للخطوة التالية، وليس نهاية دورة التشديد النقدي، خصوصًا إذا استمر التضخم أعلى من المستوى المستهدف، وظلت الاستثمارات القوية وضغوط التكاليف تدفع الأسعار إلى الارتفاع.


