لو ما كناش طوّرنا الإنترنت.. كيف أنقذت شبكة الاتصالات مصر من طوابير المصالح وفشل المدارس؟
لم يعد تحديث وتطوير شبكة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر مجرد رفاهية مجتمعية أو تحسين ظاهري لسرعات سرعات الإنترنت والمحادثات، بل تحول عملياً إلى ركيزة رئيسية وسيادية من ركائز البنية التحتية الصلبة التي تعتمد عليها الدولة بكامل قطاعاتها، بدءاً من المنظومات الخدمية والحكومية وصولاً إلى مجالات الاقتصاد والتعليم ونظم المدفوعات المالية الإلكترونية.
وفي قراءة تحليليّة لسيناريو افتراضي تخيلي لم تشهد فيه البلاد الطفرة والتحديثات الميدانية الكبيرة التي جرت على مدار السنوات الماضية، كان الشارع المصري والاقتصاد القومي سيجدان أنفسهما أمام حزمة من الاختناقات والتحديات المركبة التي تتجاوز بكثير مجرد الانزعاج التقليدي من بطء الخدمة.
وقد أدى هذا الاستثمار المبكر والمكثف في الممر الرقمي والمكونات التكنولوجية إلى حماية البنية التشغيلية للدولة من الانهيار في الأوقات الحساسة، مع توفير القواعد التأسيسية التي تُدار بها الحياة اليومية للمواطنين والشركات والمؤسسات المالية اليوم.
الآثار والتداعيات القطاعية لغياب التطوير الرقمي
وتستعرض القراءة التحليلية للمواقف والسيناريوهات الميدانية طبيعة الأزمات المعقدة التي كانت ستضرب مختلف نواحي الحياة والقطاعات الحيوية في حال استمرار الشبكات على بنيتها القديمة:
ارتداد الخدمات الحكومية وإعادة زحام «المعاملات الورقية»: يُوضح الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن قطاع المعاملات الخدمية والحكومية كان سيكون في مقدمة المتأثرين؛ إذ إن غياب البنية الرقمية المحدثة والشبكات القوية كان سيعوق تماماً إطلاق وتوسع منصات مثل «مصر الرقمية».
وكان هذا الغياب سيعيد الشارع والمواطنين من جديد إلى مربعات الاعتماد الكلي على المعاملات الميدانية، وتكدس الطوابير أمام الجهات والمصالح الحكومية لاستخراج الوثائق والمستندات وإنهاء الأوراق اليومية.
عجز المنظومات التعليمية أمام أوقات الذروة: يُضيف «عزام» أن الفترات والأزمات الاستثنائية كجائحة كورونا أثبتت حتمية وجود شبكات قادرة على تحمل الضغوط العالية؛ فلو ظلت الشبكات القديمة على حالها دون استثمارات مضاعفة، لوجدت منصات التعليم عن بُعد والامتحانات الإلكترونية نفسها أمام سيناريوهات توقف متكررة وعجز عن استيعاب ملايين الطلاب في توقيت واحد، مما كان سيهدد المخططات الدراسية وانتظام العملية التعليمية ككل.
انخفاض كفاءة الشبكات وتراجع جودة الخدمات اليومية: مع الطفرة الهائلة والتضاعف المتسارع في مستويات استهلاك البيانات، لم تكن البنية القديمة المتهالكة لتستطيع ملاحقة الطلب المتزايد على تطبيقات البث، منصات الفيديو، الألعاب الإلكترونية، والخدمات السحابية.
وكان ذلك سينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية من خلال انخفاضات حادة في السرعات، وتزايد معدلات الأعطال والانقطاعات الرقمية، وصعوبة تشغيل التطبيقات المحمولة.
انحسار جاذبية الاستثمار الأجنبي وتهديد قطاع «التعهيد»: أصبحت جودة بنية الاتصالات وسرعة تناقل البيانات معياراً حاكماً ومباشراً للشركات العالمية والمؤسسات العابرة للقارات أثناء اتخاذ قرارات ضخ الاستثمارات، لا سيما الشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية ومراكز التعهيد (Outsourcing).
وبالتالي، فإن القعود عن التطوير كان سيفقد مصر ميزتها التنافسية، وحرمها من تدفقات استثمارية بالعملة الأجنبية، وقيّد خلق آلاف الفرص الوظيفية للشباب في هذه المجالات الواعدة.
عرقلة مشروعات «الشمول المالي» والمدفوعات الإلكترونية: امتد التأثير المباشر لضعف الشبكات المفترض إلى عرقلة انتشار واستقرار المعاملات المالية الحديثة، كبرامج الدفع الرقمي، المحافظ الإلكترونية، وتطبيقات التحويل اللحظي للفترات؛ حيث إن ضعف البنية التحتية كان سيجعل هذه المعاملات أقل موثوقية وسلسة في الاستخدام، مما يرفع الاستياء ويُبطئ خطوات الدولة للتحول نحو مجتمع أقل اعتماداً على النقد (Cashless Society).
الرؤية الاقتصاديّة والبعد المستقبلي
تثبت الواقعية التحليلية لهذه البيانات والإحداثيات أن الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية للاتصالات لم يكن بنداً استهلاكياً أو ترفيهاً خدمياً، بل جاء كضرورة حتمية لحماية القوة التشغيلية للاقتصاد وتأمين استدامة القطاعات المختلفة؛ فالتحول الرقمي أضحى المظلة الشاملة التي ترتبط بها القوة الإنتاجية للبلاد، بدءاً من تيسير حركة التجارة وسرعة تناقل البيانات المالية، وحتى القدرة على منافسة الأسواق المجاورة في جذب استثمارات التكنولوجيا الحديثة.
