رشا عبدالعال
رشا عبدالعال.. رحلة أول امرأة إلى رئاسة مصلحة الضرائب مستمرة وأسرار نجاحها
لم تكن رشا عبدالعال تتخيل أن شغفها بالعلوم الرياضية ودراستها للتجارة سيقودانها يومًا إلى قمة واحدة من أكثر مؤسسات الدولة تأثيرًا في الاقتصاد المصري. بدأت رحلتها من أول درجة في السلم الوظيفي داخل مصلحة الضرائب المصرية، قبل أن تتدرج في مواقع ومسؤوليات مختلفة، وصولًا إلى توليها منصب رئيس المصلحة، لتصبح أول سيدة تصل إلى هذا الموقع.
وراء هذا المنصب رحلة طويلة من العمل والتعلم والاجتهاد، شكلتها عوامل عدة، في مقدمتها دعم الأسرة، والإصرار على التطور، والإيمان بأهمية العلم، إلى جانب اهتمام خاص بالتكنولوجيا والتحول الرقمي، الذي أصبح أحد أبرز ملامح تطوير العمل الضريبي في مصر.
رشا عبدالعال.. شغف بدأ من التجارة
اختارت رشا عبدالعال دراسة التجارة بسبب ميلها إلى العلوم الرياضية، قبل أن يقودها هذا الاختيار إلى عالم المحاسبة والضرائب. حصلت على بكالوريوس التجارة، ثم واصلت رحلتها الأكاديمية بالحصول على درجة الماجستير في المحاسبة، وتواصل دراستها للحصول على الدكتوراه في التخصص نفسه.
لكن الدراسة لم تكن سوى بداية الطريق؛ فقد آمنت بأن المعرفة النظرية لا تكتمل إلا بالخبرة العملية، لذلك بدأت حياتها المهنية من الدرجات الوظيفية الأولى، لتتعلم تفاصيل العمل الضريبي خطوة بخطوة.
ومع مرور السنوات، انتقلت من مسؤولية إلى أخرى، واكتسبت خبرات متراكمة في مجالات متعددة داخل مصلحة الضرائب المصرية.
من السلم الوظيفي إلى قمة الهرم
لم تصل رشا عبدالعال إلى رئاسة مصلحة الضرائب المصرية عبر طريق مختصر، وإنما جاءت الخطوة الأخيرة في مسيرة امتدت لسنوات من العمل داخل المؤسسة.
وتولت خلال رحلتها عددًا من المناصب، من بينها معاون رئيس مصلحة الضرائب المصرية، ومدير عام الإدارة العامة لبحوث الإعفاءات للمنظمات الدولية والإقليمية والدبلوماسية، ورئيس وحدة المخاطر وفحص نظم الحاسبات الإلكترونية، ثم رئيس الإدارة المركزية للاستراتيجية، ونائب رئيس مصلحة الضرائب المصرية.
وفي النهاية، أصبحت رشا عبدالعال أول سيدة تتولى رئاسة مصلحة الضرائب المصرية، لتسجل محطة فارقة في تاريخ المؤسسة، وتقدم نموذجًا جديدًا لحضور المرأة في المناصب القيادية الاقتصادية والإيرادية.
التكنولوجيا.. شغف آخر خارج الضرائب
المفارقة اللافتة في شخصية رشا عبدالعال أنها لا ترى التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة في العمل الضريبي، بل تعتبرها عنصرًا أساسيًا في تطوير المؤسسات.
وتقول إنها لو لم تكن رئيسة لمصلحة الضرائب لاختارت العمل مهندسة في مجال تكنولوجيا المعلومات، موضحة أن التكنولوجيا لطالما أثارت اهتمامها، وأنها قادرة على إحداث تغيير حقيقي في مختلف القطاعات.
وانعكس هذا الاهتمام على رؤيتها للعمل داخل المصلحة، خاصة مع الانتقال المتزايد نحو الرقمنة والحوكمة الإلكترونية وتطوير الخدمات الضريبية.
وترى أن التحول الرقمي يمثل نقطة تحول أساسية في منظومة الضرائب المصرية، لما يحققه من دعم للشفافية والكفاءة، وتسهيل الإجراءات، وتعزيز الربط بين المصلحة ومختلف الجهات الإدارية بالدولة.
الأب الذي زرع الاستقلال.. والأم التي كانت السند
خلف الشخصية القيادية في مصلحة الضرائب المصرية تقف حكاية أسرية كان لها تأثير كبير في تكوينها.
تتذكر رشا عبدالعال أن والدها شجعها على العمل منذ سن مبكرة، حتى قبل تخرجها في الجامعة، وهو ما ساعدها على اكتساب الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية وفهم قيمة العمل.
أما والدتها، فتصفها بأنها كانت «الضلع الثابت الذي لا يميل»، والسند الذي رافقها في حياتها وحياة إخوتها.
ولهذا كان من أكثر أمنياتها أن تكون والدتها موجودة إلى جوارها في اللحظة التي تولت فيها منصب رئيس مصلحة الضرائب المصرية، لتشاركها واحدة من أهم لحظات مسيرتها.
المرأة.. بين الأسرة والطموح المهني
لم ترَ رشا عبدالعال أن الجمع بين الحياة الأسرية والعمل القيادي أمر مستحيل. فدورها كزوجة وأم ظل جزءًا أساسيًا من حياتها، بالتوازي مع مسؤولياتها المهنية.
وتؤكد أن الأسرة لم تكن عائقًا أمام طموحها، وإنما كانت مصدرًا إضافيًا للقوة والدافع للاستمرار. وتضع أبناءها في مقدمة اهتماماتها، متمنية أن تراهم ناجحين، متمسكين بالعلم والأخلاق والعمل الجاد.
ومن هنا تبدو تجربتها أقرب إلى رحلة توازن بين أكثر من دور: ابنة تحرص على بر والديها، وزوجة وأم، وقيادية تتحمل مسؤولية مؤسسة اقتصادية وإيرادية بالغة الأهمية.
حلم يتجاوز المنصب
رغم وصولها إلى منصب رئاسة مصلحة الضرائب المصرية، لا ترى رشا عبدالعال أن المنصب هو نهاية الرحلة.
حلمها المهني، كما تؤكد، يتمثل في ترك بصمة لا تُنسى في تاريخ العمل الضريبي، وتطوير المنظومة، وتغيير الصورة الذهنية السلبية المرتبطة بالضرائب، إلى جانب العمل على رفع المستوى المهني والاجتماعي للعاملين في المصلحة.
أما على المستوى الوطني، فتتجاوز أمنيتها حدود المؤسسة التي تقودها؛ إذ تتمنى أن ترى مصر في مصاف الدول المتقدمة، بما يتناسب مع مكانتها التي تستحقها.
«العلم والعمل».. طريق رشا عبدالعال
تختزل رشا عبدالعال تجربتها المهنية في الإخلاص والاجتهاد والعلم، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن التوفيق يظل العامل الأهم في الوصول إلى ما يطمح إليه الإنسان.
وفي مرحلة أصبحت فيها التكنولوجيا والرقمنة عنصرين أساسيين في إدارة المؤسسات، ترى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك الأدوات الحديثة، وإنما في بناء فريق عمل يمتلك الكفاءة والإخلاص والقدرة على التعاون.
وتستشهد في ذلك بالمثل: «المرء بإخوانه كالبحر بأمواجه»، في إشارة إلى إيمانها بأن النجاح المؤسسي لا يصنعه فرد واحد، وإنما فريق قادر على مواجهة التحديات والعمل نحو هدف مشترك.
وهكذا، تبدو قصة رشا عبدالعال أكبر من مجرد الوصول إلى منصب قيادي؛ إنها رحلة امرأة بدأت من أول السلم الوظيفي، واستثمرت في العلم والخبرة والعمل، حتى وصلت إلى قيادة مصلحة الضرائب المصرية، لتصبح تجربتها واحدة من النماذج اللافتة لصعود المرأة المصرية إلى مواقع القيادة في المؤسسات الاقتصادية والإيرادية للدولة.



