السكن في أمريكا.. لماذا فشلت عقود من الدعم في خفض أسعار المنازل؟
يكشف الجدل المتصاعد في الولايات المتحدة حول أزمة السكن عن مفارقة لافتة، إذ لم تنجح عقود طويلة من سياسات دعم التمويل العقاري في جعل امتلاك المنازل أكثر سهولة كما كان مأمولًا، بل ساهمت في كثير من الأحيان في رفع أسعار العقارات وزيادة حجم الديون التي تتحملها الأسر.
وخلال الخمسين عامًا الماضية، ركز صناع القرار الأمريكيون على توسيع فرص الحصول على القروض العقارية باعتبارها وسيلة لزيادة معدلات التملك، إلا أن النتائج أظهرت أن المشكلة أعمق من مجرد توفير التمويل، وأن أزمة السكن ترتبط بشكل أساسي بحجم المعروض من الوحدات السكنية مقارنة بالطلب المتزايد عليها.
أزمة السكن بين نقص المعروض وهيمنة المستثمرين
يدور النقاش الحالي داخل الكونجرس الأمريكي حول تفسيرين رئيسيين لأزمة السكن.
يرى التفسير الأول أن السبب الرئيسي يتمثل في نقص المعروض من المنازل، حيث لا يتم بناء وحدات سكنية كافية في المناطق التي تشهد طلبًا مرتفعًا. كما تؤدي قيود استخدام الأراضي وتعقيدات تراخيص البناء والاشتراطات التنظيمية إلى رفع تكاليف التشييد وإبطاء تنفيذ المشروعات الجديدة.
أما التفسير الثاني فيركز على تنامي نفوذ المؤسسات الاستثمارية الكبرى التي توسعت في شراء المنازل المخصصة للأسر، ما صعّب المنافسة أمام المشترين لأول مرة ودفع بعضهم إلى اللجوء لسوق الإيجارات بدلًا من التملك.
ورغم اختلاف الرؤيتين، يرى خبراء أن العاملين معًا أسهما في تعقيد أزمة السكن خلال السنوات الأخيرة.
التمويل العقاري لم يحل أزمة السكن
يشير تقرير تحليلي نشره موقع «بروجكت سنديكيت» إلى أن السياسات التي اعتمدت على توسيع الائتمان العقاري لم تحقق الهدف المتوقع منها.
فعلى الرغم من الدور الذي لعبته مؤسسات مثل «فاني ماي» و«فريدي ماك» في توفير التمويل العقاري وتسهيل الحصول على القروض، فإن معدلات تملك المنازل لم ترتفع بشكل كبير مقارنة بمستويات أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وفي المقابل، شهدت أسعار العقارات والرهون العقارية قفزات كبيرة، ما جعل تكلفة السكن أعلى بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين.
وأظهرت دراسات امتدت لعقود أن زيادة توافر التمويل تؤدي غالبًا إلى ارتفاع أسعار المنازل وحجم الاقتراض بوتيرة أكبر من تأثيرها على زيادة نسب التملك.
قانون جديد لمعالجة أزمة السكن
في محاولة لمواجهة الأزمة، أقر الكونجرس الأمريكي قانون «الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين»، الذي يحظى بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ويركز القانون على زيادة المعروض من الوحدات السكنية عبر تبسيط إجراءات البناء، وتوسيع الاعتماد على الإسكان المصنع مسبقًا، وتقديم حوافز للمجتمعات التي تنجح في زيادة معدلات التشييد.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في طريقة التعامل مع أزمة السكن، إذ أصبح التركيز أكبر على زيادة عدد المنازل المتاحة بدلًا من الاعتماد فقط على تسهيل التمويل للمشترين.
زيادة البناء تبقى الحل الأكثر فاعلية
يرى خبراء الاقتصاد أن جوهر أزمة السكن يكمن في اختلال التوازن بين العرض والطلب، فكلما ظل عدد المنازل المتاحة محدودًا، استمرت الأسعار في الارتفاع بغض النظر عن حجم التسهيلات التمويلية المقدمة للمشترين.
ولهذا السبب، تتجه السياسات الأمريكية الجديدة نحو تشجيع البناء وزيادة المعروض السكني، باعتبار ذلك الحل الأكثر استدامة لخفض الأسعار وتحسين القدرة على امتلاك المنازل.
وفي ظل استمرار الضغوط على أسواق العقارات، يبقى نجاح هذه السياسات مرهونًا بقدرة السلطات على إزالة العقبات التنظيمية وتسريع تنفيذ المشروعات السكنية الجديدة، بما يحقق توازنًا أفضل في سوق السكن ويمنح الأسر فرصًا أكبر للحصول على منزل بتكلفة مناسبة.
