أسعار الغاز في أوروبا تتجاوز 90 يورو لأول مرة منذ 2022 مع تصاعد مخاوف نقص الإمدادات
سجلت أسعار الغاز في أوروبا ارتفاعًا ملحوظًا، متجاوزة مستوى 90 يورو لكل ميغاواط/ساعة للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، في تطور يعكس تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة مع استمرار اضطرابات صادرات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، واقتراب موسم الشتاء الذي يشهد عادة زيادة في معدلات استهلاك الغاز بالقارة الأوروبية.
وارتفعت العقود الآجلة القياسية للغاز الطبيعي الهولندي، المتداول عبر مركز «تي تي إف» (TTF)، بنسبة وصلت إلى 2.4%، لتسجل 90.16 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى لها منذ نحو أربع سنوات، وفقًا لبيانات نقلتها بلومبرغ. كما جاءت هذه المستويات السعرية أعلى بنحو ثلاثة أمثال ما كانت عليه الأسعار قبل اندلاع الحرب مع إيران، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية.
ويأتي صعود سعر الغاز الأوروبي اليوم في ظل مخاوف متزايدة من تراجع المعروض العالمي، بالتزامن مع احتدام المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع زيادة الطلب على التدفئة خلال فصل الشتاء.
أسعار الغاز في أوروبا ترتفع مع تعطل صادرات الخليج
تواجه سوق الغاز الأوروبية ضغوطًا متزايدة نتيجة استمرار اضطرابات صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج العربي، وهي منطقة تمثل مصدرًا مهمًا لإمدادات الطاقة العالمية.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن صادرات الخليج العربي شكلت نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال خلال العام الماضي.
وأدى تعطل هذه التدفقات إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة الأسواق على توفير كميات كافية من الغاز، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب الموسمي على الطاقة.
كما أسهمت التطورات الجيوسياسية في زيادة حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات، ما انعكس على حركة العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية.
وفي ظل هذه الظروف، قد تضطر الدول الأوروبية إلى تقديم أسعار أكثر تنافسية لاستقطاب شحنات الغاز المسال، بما يضمن تلبية احتياجات الاستهلاك المحلي والصناعي خلال الأشهر المقبلة.
مخزونات الغاز الأوروبية عند مستويات منخفضة
تأتي القفزة الأخيرة في أسعار الغاز في أوروبا بالتزامن مع انخفاض مستويات التخزين مقارنة بالفترات السابقة من العام، إذ بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الأوروبية نحو 75%، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير، لتسجل أدنى مستوى لهذه الفترة من العام في بيانات تعود إلى 2009.
وتبرز ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، باعتبارها إحدى الدول التي تواجه تحديات واضحة في تأمين مخزون كافٍ من الغاز قبل دخول فصل الشتاء، حيث بلغت نسبة امتلاء مرافق التخزين لديها نحو 61%.
وتزيد هذه المستويات المنخفضة من حساسية السوق لأي اضطرابات إضافية في الإمدادات، إذ قد يؤدي ارتفاع الاستهلاك خلال فترات الطقس البارد إلى تسريع السحب من المخزونات، ما يرفع الحاجة إلى استيراد كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال.
ورغم أن اعتدال الطقس خلال أكتوبر منح شركات الطاقة الأوروبية فرصة لزيادة المخزونات بوتيرة أسرع من المعتاد، فإن استمرار اضطرابات الإمدادات يحد من قدرة السوق على استعادة مستويات الأمان المطلوبة قبل ذروة الطلب الشتوي.
المنافسة بين أوروبا وآسيا تهدد بمزيد من ارتفاع أسعار الغاز
تواجه أوروبا منافسة متزايدة من الأسواق الآسيوية للحصول على شحنات الغاز الطبيعي المسال، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. ومن شأن ارتفاع الطلب الآسيوي، بالتزامن مع محدودية الإمدادات المتاحة، أن يزيد الضغوط على الأسعار العالمية.
وفي هذا السياق، سجلت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا أعلى مستوياتها منذ عام 2022، وفقًا للتقرير، ما يعكس اتساع تأثير اضطرابات الإمدادات على الأسواق الرئيسية المستوردة للغاز.
وقد تؤدي المنافسة على الشحنات إلى زيادة تكلفة تأمين الإمدادات بالنسبة للدول الأوروبية، خصوصًا إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية بالتزامن مع ارتفاع الطلب على التدفئة والطاقة.
ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء يزيد الضغوط الاقتصادية
لم تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي على سوق الوقود وحدها، بل امتدت إلى أسواق الكهرباء، حيث سجل العقد الألماني للكهرباء المقرر تسليمها خلال العام المقبل أعلى مستوى له منذ يوليو 2023.
وتثير هذه التحركات مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الطاقة التي تتحملها الأسر والشركات، فضلًا عن احتمالات زيادة الأعباء على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذا استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وفي المقابل، تواجه الحكومات الأوروبية تحديات تتعلق بقدرتها على تقديم دعم إضافي للمستهلكين، في ظل الضغوط على الموازنات العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض. ويحد ذلك من مساحة المناورة المتاحة أمام الحكومات لتطبيق إجراءات واسعة النطاق، مثل خفض الضرائب على الطاقة أو فرض سقوف سعرية مكلفة.
وتبقى تطورات الإمدادات من الخليج، ومستويات مخزونات الغاز، والطلب الآسيوي، من أبرز العوامل التي ستحدد اتجاه أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا خلال الفترة المقبلة، مع ترقب الأسواق مدى قدرة القارة على تأمين احتياجاتها قبل ذروة الاستهلاك الشتوي.



