السندات الأميركية تقترب من إنذار الركود بفارق 17 نقطة
بدأت السندات الأميركية في إرسال إشارة تحظى باهتمام متزايد في الأسواق، بعدما تقلص الفارق بين عوائد سندات الخزانة لأجل عامين و10 سنوات إلى 17 نقطة أساس فقط الأسبوع الماضي، وهو أضيق مستوى للفجوة منذ أوائل عام 2025، في تطور يعيد إلى الواجهة مخاوف المستثمرين بشأن تأثير تشديد السياسة النقدية على الاقتصاد الأميركي.
ويعرف هذا التحرك باسم «تسطح منحنى العائد»، ويحدث عندما تضيق المسافة بين عوائد الاستحقاقات القصيرة والطويلة. وإذا استمر الاتجاه، فقد يصل السوق إلى مرحلة يصبح فيها عائد السندات الأطول أجلًا أقل من العائد على الاستحقاقات الأقصر، وهي الظاهرة المعروفة باسم «انقلاب منحنى العائد».
لماذا تراقب الأسواق السندات الأميركية؟
تحظى السندات الأميركية باهتمام واسع باعتبارها من أهم أدوات قياس توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة والنمو والتضخم. وعادة ما تكون عوائد السندات طويلة الأجل أعلى من القصيرة، لتعويض المستثمر عن مخاطر الاحتفاظ بأمواله لفترة أطول.
لكن عندما يضيق الفارق بين العوائد، فإن ذلك قد يعكس تغيرًا في توقعات السوق بشأن مستقبل السياسة النقدية والاقتصاد. ويزداد الاهتمام عندما يقترب منحنى العائد من الانقلاب، إذ ارتبطت هذه الظاهرة تاريخيًا بفترات ركود سابقة في الاقتصاد الأميركي.
وبحسب بيانات جمعتها «بلومبرغ»، سبق انقلاب منحنى العامين والعشرة أعوام فترات الركود الثماني الأخيرة منذ ستينيات القرن الماضي، بمتوسط زمني يقارب 15 شهرًا قبل بدء الركود، مع اختلاف الفاصل الزمني من حالة إلى أخرى.
عوائد السندات ترتفع مع تشديد الفائدة
وتتحرك السندات حاليًا تحت تأثير توقعات المستثمرين لمسار أسعار الفائدة الأميركية، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، بينما تشير تسعيرات السوق إلى توقعات بزيادات إضافية خلال العام المقبل.
وتراهن الأسواق على ما يعادل ثلاث زيادات على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية في أسعار الفائدة خلال العام المقبل، وهو ما دفع عوائد الاستحقاقات القصيرة إلى الارتفاع بصورة أكبر مقارنة بالفترات الأطول.
وتدخل سندات الخزانة لأجل عامين والعشرة أعوام بعوائد تقارب 4.9% و5.2% على التوالي، فيما يقترب عائد السندات لأجل 10 سنوات من أعلى مستوياته منذ عام 2007.
هل يعني تسطح منحنى العائد ركودًا مؤكدًا؟
رغم الأهمية التاريخية لإشارة السندات، فإن تسطح منحنى العائد أو حتى انقلابه لا يعني تلقائيًا دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود.
وتكشف تجربة السنوات الأخيرة عن حدود هذه الإشارة؛ فقد انقلبت منحنيات عائد أميركية مختلفة في عام 2022، بينما كان عدد كبير من الاقتصاديين يتوقع ركودًا خلال الاثني عشر شهرًا التالية، إلا أن الاقتصاد الأميركي تمكن من مواصلة النمو رغم حملة رفع الفائدة خلال 2022 و2023 وأزمات أخرى واجهت الأسواق العالمية.
كما أن مؤشرات اقتصادية أخرى لا تزال تعكس قوة نسبية في الطلب والنمو، وهو ما يجعل تفسير حركة السندات بحاجة إلى النظر إلى مجموعة أوسع من البيانات، وليس منحنى العامين والعشرة أعوام وحده.
منحنيات أخرى تحت المراقبة
ولا يقتصر تقييم احتمالات التباطؤ الاقتصادي على منحنى العامين و10 سنوات، إذ يراقب صناع السياسة والمستثمرون منحنيات أخرى، من بينها الفارق بين عوائد أذون الخزانة لأجل ثلاثة أشهر والعائد على السندات لأجل 10 سنوات.
ولا يزال هذا المنحنى أكثر انحدارًا نسبيًا، ما يقدم صورة مختلفة عن منحنى العامين والعشرة أعوام، ويعكس استمرار وجود اختلاف في الإشارات التي تقدمها سوق السندات حول مستقبل الاقتصاد.
انعكاسات محتملة على الأسهم والبنوك
ويمتد تأثير تحركات السندات إلى أسواق الأسهم، ولا سيما القطاع المصرفي، إذ تعتمد البنوك بصورة أساسية على الاقتراض قصير الأجل وتوظيف الأموال في قروض واستثمارات بآجال أطول.
وبالتالي، فإن تضييق الفارق بين العوائد قصيرة وطويلة الأجل يمكن أن يضغط على هوامش صافي الفائدة لدى البنوك، وهو ما يفسر متابعة المستثمرين لحركة منحنى العائد إلى جانب أداء أسهم المؤسسات المالية.
وتشير التطورات الحالية في سوق السندات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للسياسة النقدية الأميركية، مع محاولة الاحتياطي الفيدرالي الموازنة بين السيطرة على التضخم والحفاظ على قوة الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، يظل تفسير منحنى العائد مرتبطًا بتطورات التضخم والنمو والطلب ومسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وليس بإشارة منفردة من السوق.
