الاقتصاد السري يموّل جماعات الساحل الأفريقي.. السلاح والذهب والماشية في قبضة المتطرفين
لم تعد المواجهة مع الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل الإفريقي تقتصر على العمليات المسلحة والاشتباكات، إذ تتجه هذه التنظيمات بصورة متزايدة إلى بناء مصادر تمويل مستقلة عبر السيطرة على أنشطة اقتصادية غير رسمية تمتد عبر الحدود.
وفي مناطق تراجع فيها حضور الدولة، تحولت تجارة السلاح والوقود والدراجات النارية والماشية المسروقة، إلى مصادر دخل تستخدمها الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها وتوسيع نطاق أنشطتها.
وتستفيد جماعات مرتبطة بتنظيم داعش في منطقة الساحل الإفريقي، إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، من التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها دول غرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، وما ترتب عليها من تراجع في التنسيق الإقليمي وتزايد الضغوط على مؤسسات الدولة.
فراغ أمني يوسّع نفوذ الجماعات المسلحة
شهدت منطقة الساحل تغيرات جيوسياسية كبيرة منذ عام 2020، وصولًا إلى انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» بشكل نهائي في عام 2025، بالتزامن مع تشكيل تحالف ثلاثي وتطور العلاقات مع روسيا.
وأدى هذا التحول إلى تراجع واضح في مستويات التعاون عبر الحدود بين دول الكتلتين، وهو ما أتاح، بحسب التصريحات الواردة في التقرير، مساحة أكبر أمام الجماعات المسلحة للتحرك في المناطق الحدودية التي تعاني ضعف الحضور الحكومي.
ويقول مصدر سياسي أفريقي، وفق ما نقلته «إرم نيوز»، إن الجماعات المتطرفة تحاول استغلال هذا الفراغ للتغلغل في الاقتصادات السرية، مستفيدة من المناطق التي تراجعت فيها قدرة الدولة على فرض سيطرتها أو تقديم الخدمات الأساسية.
تجارة غير مشروعة تتحول إلى مصدر تمويل
توجد أمام الجماعات المسلحة مجموعة متنوعة من الأنشطة التي توفر إيرادات مالية، من بينها الاتجار غير المشروع بالأسلحة، وتجارة الدراجات النارية والوقود، فضلًا عن الماشية المسروقة.
ولا يقتصر دور هذه الجماعات على الاستفادة من تلك الأنشطة، بل تسعى كذلك إلى فرض رسوم أو ما يشبه الضرائب على القائمين بها، إلى جانب تقديم ما تصفه بالحماية في المناطق الخاضعة لنفوذها.
وبهذه الطريقة، تتحول الأنشطة غير القانونية في بعض المناطق إلى نظام اقتصادي تديره الجماعات المسلحة بشكل مباشر أو غير مباشر، بما يوفر لها موارد يمكن استخدامها في دعم عملياتها وتعزيز وجودها المحلي.
أما عمليات الاختطاف مقابل الفدية، فلا تزال حاضرة في المشهد، إلا أن التقرير يشير إلى استخدامها أيضًا كوسيلة للضغط على المجتمعات المحلية وإجبارها على التعاون أو لمعاقبة السكان وتوسيع نطاق السيطرة والنفوذ.
الذهب غير القانوني بوابة جديدة للنفوذ
تمثل مناطق تعدين الذهب غير القانوني أحد المجالات التي تحاول جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التغلغل فيها، لما توفره هذه المناطق من نشاط اقتصادي خارج الأطر الرسمية.
ويشير التقرير إلى أن وجود الجماعة في بعض مناطق التعدين لا يرتبط فقط بالعوائد المالية، وإنما يمتد إلى محاولات نشر خطابها المتطرف، واستقطاب عناصر جديدة، وفرض رسوم على النشاط الاقتصادي، إلى جانب بيع الحماية بعيدًا عن مؤسسات الدولة.
ويبرز هذا النشاط بصورة خاصة في شرق بوركينا فاسو، وغرب مالي، ومناطق قريبة من الحدود مع غينيا والسنغال، وكذلك المنطقة الحدودية الثلاثية بين بوركينا فاسو وساحل العاج وغانا، حيث تشير تقارير إلى تورط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في أنشطة مرتبطة بهذه الشبكات.
طرق التجارة تزيد مخاطر العنف
وتشكل مدينة باوكو الغانية، باعتبارها نقطة تجارية تربط بين بوركينا فاسو وتوغو، إحدى المناطق التي تتقاطع فيها تجارة الذهب مع تدفقات الأسلحة، وهو ما يساهم في زيادة احتمالات التوتر والعنف بين المجتمعات المحلية.
وتعكس هذه التطورات، وفق التقرير، طبيعة الترابط بين الجريمة المنظمة والنشاط المسلح في منطقة الساحل الإفريقي، خاصة عندما تغيب الرقابة الحكومية عن المناطق النائية والحدودية.
تحذيرات من تداعيات تتجاوز الساحل
وفي ظل تصاعد المخاوف بشأن اتساع نطاق نشاط الجماعات المسلحة، دعا الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي المجتمع الدولي، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى عدم التخلي عن دول الساحل التي تواجه تصاعدًا في الإرهاب.
وأكد فاي أن زعزعة استقرار هذه الدول قد تنعكس تداعياتها على مناطق تتجاوز حدود الساحل نفسه، متعهدًا، بصفته رئيسًا لمجموعة «إيكواس»، ببذل الجهود من أجل دعم السلام والأمن في المنطقة.
وتعكس التطورات في بوركينا فاسو ومالي والنيجر اتساع نطاق العنف المسلح، مع انتقال آثاره إلى دول أخرى في غرب أفريقيا، في وقت أصبحت فيه مواجهة الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التهريب جزءًا أساسيًا من جهود الحد من تمويل الجماعات المتطرفة ونفوذها.




