الغذاء يهدد بموجة تضخم عالمية جديدة.. ارتفاع متوقع إلى 5% في 2027
تتجه أنظار المستثمرين العالميين حاليا إلى أسعار الغذاء باعتبارها أحد مصادر الخطر المحتملة لموجة التضخم المقبلة، مع تصاعد المخاوف من أن تحل صدمة الغذاء محل أزمة الطاقة التي شكلت خلال العام الجاري أحد أكبر مصادر الضغط على أسواق السندات.
وتتركز مخاوف الأسواق على مجموعة من العوامل التي يمكن أن تدفع أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى، من بينها احتمال حدوث ظاهرة «النينيو» المناخية فائقة القوة، وشح إمدادات الأسمدة، والهجمات التي تستهدف حركة الشحن البحري، إلى جانب تداعيات الصيف شديد الحرارة الذي شهدته أوروبا.
ويرى المستثمرون أن اجتماع هذه العوامل في توقيت واحد قد يرفع تكلفة إنتاج ونقل السلع الزراعية والغذائية، بما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الضغوط على أسعار المستهلكين في عدد من الاقتصادات العالمية.
تضخم الغذاء مرشح للارتفاع إلى 5%
وتشير توقعات خبراء الاقتصاد إلى ارتفاع معدل تضخم الغذاء العالمي إلى 5% خلال النصف الأول من عام 2027، مقابل 2.8% خلال الفترة نفسها من عام 2026، بما يعني زيادة قدرها 2.2 نقطة مئوية في معدل التضخم المتوقع.
ولا تعني هذه النسبة أن أسعار الغذاء نفسها سترتفع بنسبة 5% بالضرورة خلال تلك الفترة، وإنما تشير إلى توقع ارتفاع معدل التضخم المرتبط بالغذاء إلى هذا المستوى.
وتضع هذه التوقعات أسعار الغذاء في دائرة اهتمام أكبر لدى المستثمرين والبنوك المركزية، خاصة مع استمرار الحاجة إلى تقييم مدى قدرة الاقتصادات على تحمل موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
أسعار الغذاء تضغط على أسواق السندات
وتواجه جهود مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للسيطرة على التضخم تحديا إضافيا مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، وهو ما قد يفرض ضغوطا جديدة على محافظ السندات إذا استمرت الأسعار في الصعود.
وبدأت شركات لإدارة الأصول، من بينها «كارمينياك» و«فيدليتي إنترناشيونال» و«تروي» لإدارة الأصول، في التحوط لاستثماراتها أو تقليل انكشافها على الدول الأكثر عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الغذاء.
وفي هذا السياق، تشتري «كارمينياك» سندات حكومية أمريكية وأوروبية مرتبطة بمؤشرات التضخم، وترى أن أي انخفاض في معدلات «نقطة التعادل» لأجل خمس سنوات، وهي من المؤشرات المستخدمة لقياس توقعات الأسعار، يمثل فرصة لتعزيز استثماراتها في هذه السندات.
البنوك المركزية تراقب صدمة الغذاء
وتراقب البنوك المركزية تطورات أسعار الغذاء عن كثب، إذ يمكن لأي صدمة في الأسعار أن تؤثر في توقعات الأسر بشأن التضخم، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد الأوسع من خلال زيادة المطالبات برفع الأجور.
وأشار بنك إنجلترا إلى وجود ما وصفه بـ«مخاطر صعودية تتعلق بتضخم أسعار الغذاء» تمتد حتى عام 2027، وهو ما يعكس اتساع نطاق المخاوف من استمرار الضغوط السعرية المرتبطة بالسلع الغذائية.
ويختلف تأثير صدمة الغذاء عن صدمات الطاقة من حيث طبيعة انعكاساتها على الاقتصاد. ويرى بعض الاستراتيجيين أن ارتفاع أسعار الغذاء قد لا يؤدي إلى تداعيات بالحدة نفسها التي صاحبت ارتفاع أسعار الطاقة، لكنه يظل عاملا دافعا للتضخم، في الوقت الذي قد يضغط فيه على النشاط الاقتصادي.
الدول المستوردة تواجه ضغوطا أكبر
وتزداد حساسية الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد المواد الغذائية تجاه هذه التطورات، خاصة إذا تزامن ارتفاع أسعار السلع العالمية مع ضعف العملات المحلية.
وفي هذه الحالة، لا تتحمل الدول تكلفة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية فقط، وإنما تواجه أيضا تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية أمام العملات الرئيسية، وهو ما يمكن أن يرفع تكلفة الواردات بصورة أكبر ويزيد الضغوط على المستهلكين.
وتبرز دول مثل الهند والفلبين ضمن الاقتصادات التي تواجه مخاطر مرتبطة بارتفاع أسعار الغذاء، نظرا إلى الوزن الكبير للمواد الغذائية داخل سلة أسعار المستهلك، بما يجعل أي ارتفاع في السلع الغذائية أكثر تأثيرا في معدل التضخم العام.
النينيو والطقس يهددان الإمدادات
وتشير التوقعات إلى أن آسيا وأمريكا اللاتينية قد تتحملان جانبا كبيرا من تأثير ظروف الطقس الأكثر حرارة وجفافا المرتبطة بظاهرة «النينيو» خلال العام الحالي، مع احتمالات حدوث اضطرابات في القطاع الزراعي.
ويمكن للطقس القاسي أن يؤثر في إنتاج المحاصيل ويقلص المعروض من بعض السلع الزراعية، بينما يؤدي نقص الأسمدة وارتفاع تكاليف النقل والشحن إلى زيادة تكلفة وصول المنتجات إلى الأسواق.
ويرى فيليب فيلدينج، مدير محافظ الدخل الثابت في «فيدليتي إنترناشيونال»، أن الظروف المناخية تمثل أحد مصادر المخاطر التي تراقبها الأسواق، خاصة في الاقتصادات الناشئة الأكثر حساسية لتقلبات أسعار السلع.
ورغم ذلك، لا تزال «فيدليتي إنترناشيونال» ترى فرصا لتحقيق عوائد جيدة في الأسواق الناشئة، لكنها قلصت انكشافها على مخاطر أسعار الفائدة في أمريكا اللاتينية لمصلحة دول يتوقع أن تكون أقل تأثرا بالضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الغذاء.
الغذاء أمام اختبار جديد في 2027
وتضع هذه التطورات أسعار الغذاء أمام اختبار جديد خلال الفترة المقبلة، بعدما كانت الطاقة أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للأسواق العالمية.
ومع توقع ارتفاع تضخم الغذاء من 2.8% إلى 5% في النصف الأول من 2027، تتزايد أهمية مراقبة الطقس والإمدادات الزراعية والأسمدة والشحن وأسعار العملات، باعتبارها عوامل يمكن أن تحدد مدى انتقال الضغوط من أسواق السلع إلى التضخم العام والاقتصاد العالمي.
