الأحد 20 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

النفط يشعل أزمة جديدة.. اضطرابات هرمز تضغط على الأسمدة وتهدد تكلفة الغذاء

الأحد 20/سبتمبر/2026 - 10:09 ص
بانكير

لم يعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أزمة مرتبطة بسوق النفط والناقلات فقط، بعدما امتدت تداعياتها إلى سوق الأسمدة، لتصل التأثيرات بصورة غير مباشرة إلى واحدة من أكثر الأسواق حساسية بالنسبة للمستهلك، وهي سوق الغذاء.

وتكشف التطورات الأخيرة عن سلسلة مترابطة تبدأ من اضطراب الممر الملاحي، ثم ارتفاع مخاطر الشحن والتأمين وتكاليف الطاقة، وصولا إلى زيادة تكلفة إنتاج الأسمدة، خاصة الأسمدة النيتروجينية التي تعتمد صناعتها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن الأسمدة تمثل أحد المدخلات الأساسية في العملية الزراعية، وبالتالي فإن استمرار الضغوط على الطاقة والشحن قد يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي، حتى إذا لم تنتقل الزيادة بصورة فورية إلى أسعار السلع الغذائية.

اليوريا تدخل دائرة الضغط

شهدت أسواق الأسمدة العالمية ارتفاعات قوية خلال ذروة الاضطرابات، حيث تضاعفت أسعار اليوريا العالمية تقريبا حتى أبريل 2026 مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم «دي إيه بي» بنحو 35%.

وفي منطقة الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الأمونيا بنحو 59% منذ 27 فبراير، بينما سجلت اليوريا زيادة بنحو 39% خلال الفترة نفسها، وفقا للبيانات المشار إليها في المادة.

أما السوق المصرية، فسجل سعر اليوريا الحبيبية المصرية نحو 527.50 دولار للطن في 17 سبتمبر 2026، مقابل نحو 510 دولارات في القراءة السابقة خلال سبتمبر، بزيادة تقارب 3.4%.

كما بلغ متوسط سعر اليوريا المصرية خلال أغسطس نحو 460 دولارا للطن، مقابل نحو 514.17 دولار في متوسط سبتمبر حتى 17 سبتمبر، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية على السوق، رغم ابتعاد الأسعار عن بعض مستويات الصدمة الأولى.

لماذا يرتبط النفط بسعر السماد؟

الارتباط يبدأ من الغاز الطبيعي، الذي يمثل مادة أساسية في إنتاج الأمونيا، بينما تعد الأمونيا المكون الرئيسي في صناعة عدد كبير من الأسمدة النيتروجينية، وفي مقدمتها اليوريا.

وبالتالي، فإن أي اضطراب يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الطاقة أو التأثير على الإمدادات، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة النقل والتأمين، يمكن أن ينعكس على تكلفة تصنيع الأسمدة ونقلها بين الأسواق.

وهنا يظهر تأثير النفط بصورة غير مباشرة؛ فارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكلفة قطاعات متعددة، من الإنتاج الصناعي إلى النقل والشحن، بينما تؤدي اضطرابات الملاحة في منطقة الخليج إلى زيادة المخاطر المرتبطة بحركة السلع والطاقة والأسمدة.

وتزداد حساسية المشهد مع تعرض جزء مهم من تجارة الأسمدة العالمية لمخاطر اضطراب حركة الملاحة في المنطقة، وتشير التقديرات إلى أن نحو 21 مليون طن من اليوريا سنويا ونحو 4 ملايين طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم أصبحت صادراتها أكثر عرضة لمخاطر اضطراب حركة التجارة.

من السماد إلى الغذاء

ارتفاع أسعار الأسمدة لا يعني بالضرورة أن أسعار الخضروات والحبوب سترتفع في اليوم التالي، لكن التأثير يبدأ من تكلفة دورة الإنتاج الزراعي.

فالمزارع يتحمل تكلفة الأسمدة إلى جانب تكاليف الري والطاقة والعمالة والنقل والمبيدات والتقاوي، وكلما ارتفعت تكلفة أحد هذه المدخلات لفترة طويلة، زادت الضغوط على هامش ربح المنتج.

وفي حال استمرار ارتفاع الأسعار لفترات ممتدة، قد يلجأ بعض المنتجين إلى تقليل استخدام الأسمدة، وهو ما يمكن أن يؤثر على إنتاجية بعض المحاصيل، خاصة المحاصيل التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأسمدة النيتروجينية.

وتزداد أهمية هذه النقطة بالنسبة لمحاصيل رئيسية مثل القمح والأرز والذرة، إذ إن استمرار اضطرابات هرمز لفترة طويلة قد يرفع مخاطر تراجع الإنتاجية نتيجة ارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية.

أسعار الغذاء ترصد الضغوط

أظهر مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء تسجيل 133.3 نقطة في أغسطس 2026، بارتفاع 1.9% مقارنة بيوليو، وزيادة 2.5% مقارنة بأغسطس 2025.

لكن هذه الزيادة لا يمكن نسبها بالكامل إلى اضطرابات مضيق هرمز أو ارتفاع أسعار النفط، إذ تتحرك أسعار الغذاء العالمية وفقا لعوامل متعددة، تشمل الطقس، وحجم الإنتاج، والمخزونات، والطاقة، وأسعار الصرف، وحركة التجارة الدولية.

لذلك، فإن التأثير المحتمل لأزمة هرمز يعتمد بدرجة كبيرة على مدة استمرار الاضطرابات ومدى انتقالها إلى تكاليف الطاقة والأسمدة والشحن.

ماذا يحدث في مصر؟

تختلف الصورة في مصر نسبيا، إذ تمتلك البلاد قاعدة إنتاج محلية مهمة من الأسمدة، وهو ما يساعد على الحد من انتقال الصدمات الخارجية بالكامل إلى السوق المحلية.

وأكدت وزارتا الزراعة والبترول في أغسطس 2026 استمرار الحصة السنوية لمنظومة الأسمدة المدعمة عند 2.4 مليون طن، مع استمرار إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة.

وفي السوق الحرة، سجل طن اليوريا نحو 25,024 جنيها في 18 سبتمبر، بينما بلغ طن نترات النشادر نحو 24,562 جنيها، وسجل طن سلفات النشادر قرابة 19,358 جنيها.

أما داخل منظومة الدعم، فبلغ سعر شيكارة اليوريا 290 جنيها وشيكارة النترات 285 جنيها وفقا للبيانات المنشورة.

ويعني ذلك أن المزارع المستفيد من منظومة الدعم لا يواجه الصدمة العالمية بنفس الدرجة التي قد يواجهها المتعامل في السوق الحرة، وهو عامل مهم في الحد من انتقال الزيادات العالمية إلى تكلفة الزراعة المحلية.

هل يرتفع الغذاء في مصر؟

ارتفاع النفط أو الأسمدة عالميا لا يعني تلقائيا ارتفاع أسعار الغذاء في مصر بنفس النسبة، لأن السعر النهائي للسلعة الزراعية يتحدد من خلال مجموعة كبيرة من العوامل، من تكلفة الإنتاج والنقل إلى حجم المعروض والطلب والأسعار العالمية وسعر الصرف.

لكن مصدر القلق الحقيقي يظهر إذا تحولت اضطرابات مضيق هرمز من أزمة مؤقتة إلى أزمة ممتدة، لأن استمرار ارتفاع تكلفة الطاقة والشحن والأسمدة يمكن أن يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي ويضغط على هوامش المنتجين، بما قد يؤثر في قرارات الزراعة خلال المواسم التالية.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن سيناريو يجمع بين ارتفاع أسعار الأسمدة العالمية بنحو 50% وصعود النفط إلى نحو 115 دولارا للبرميل يمكن أن يرفع أسعار السلع الزراعية بنحو 4% خلال 2026 ونحو 8% في 2027 مقارنة بخط الأساس.

المعركة تبدأ من الطاقة وتنتهي عند الغذاء

تكشف أزمة هرمز أن أمن الغذاء لا يبدأ عند الأسواق أو المتاجر، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من تأمين الطاقة والأسمدة وسلاسل الإمداد والممرات التجارية.

وبالنسبة لمصر، فإن استمرار الإنتاج المحلي من الأسمدة، وتأمين الغاز اللازم للمصانع، والحفاظ على منظومة الدعم، وتوفير المخزونات المناسبة، وتنويع مصادر الإمداد، كلها عوامل يمكن أن تحد من انتقال الصدمات العالمية إلى المزارع والمستهلك.

لكن النفط يظل أحد أهم مفاتيح هذه المعادلة، لأن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس على النقل والتصنيع والأسمدة، بينما يؤدي اضطراب طرق التجارة إلى إضافة أعباء جديدة على تكلفة وصول السلع.

وفي النهاية، يبقى عامل الزمن هو الأكثر تأثيرا؛ فإذا عادت حركة التجارة في مضيق هرمز إلى طبيعتها سريعا، فقد تنحسر الضغوط تدريجيا، أما إذا طال أمد الأزمة، فقد تنتقل التداعيات من تكلفة السفن والطاقة إلى سعر الأسمدة، ثم تكلفة الفدان، وصولا إلى فاتورة الغذاء على مائدة المواطن.

وهكذا تتحول أزمة هرمز من قصة عن النفط والملاحة إلى أزمة تمتد حلقاتها عبر الطاقة والأسمدة والزراعة، قبل أن تصل في النهاية إلى تكلفة الغذاء.