الأربعاء 16 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
اقتصاد مصر

كشف أثري جديد في البحيرة يكشف تفاصيل الحياة داخل حصون الدولة الحديثة

الأربعاء 16/سبتمبر/2026 - 01:46 م
كشف أثري جديد في
كشف أثري جديد في البحيرة

كشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع تل آثار الأبقعين بمحافظة البحيرة عن مجموعة من المنشآت واللقى الأثرية المهمة، التي تلقي الضوء على تفاصيل الحياة العسكرية واليومية والتخطيط العمراني داخل أحد الحصون المصرية القديمة، وتؤكد الأهمية الاستراتيجية للموقع باعتباره أحد الحصون العسكرية التي أقيمت على الحدود الغربية للدلتا خلال عصر الدولة الحديثة لحماية البلاد من هجمات القبائل الليبية.

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف الأثري الجديد يضيف بعدا جديدًا لفهم منظومة التحصينات العسكرية التي أقامها المصري القديم لحماية حدود البلاد، موضحا أن المنشآت السكنية والمخازن واللقى الأثرية المكتشفة تقدم صورة متكاملة لا تقتصر على الجانب العسكري للحصن، وإنما تكشف أيضًا تفاصيل الحياة اليومية والاقتصادية والدينية لسكانه.

وثمن الوزير جهود البعثات الأثرية المصرية وما تحققه من اكتشافات تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، مؤكدًا استمرار الوزارة في دعم أعمال الحفائر والبحث العلمي بالمواقع الأثرية المختلفة، والحفاظ على المكتشفات ودراستها وتوثيقها وفقًا لأحدث الأساليب العلمية.

مجمع سكني وشوارع داخل الحصن

وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر أسفرت عن الكشف عن مجمع سكني كبير مشيد من الطوب اللبن، عُثر في ناحيته الشمالية على شارع رئيسي يبلغ عرضه نحو 4 أمتار ويمتد من الشرق إلى الغرب، ويتقاطع معه شارع آخر يمتد من الجنوب إلى الشمال.

ويرتبط المدخل الرئيسي للمجمع بالمدخل الجنوبي للحصن المشيد من الحجر الجيري، بما يعكس تخطيطًا عمرانيًا وهندسيًا دقيقًا داخل الحصن.

وينقسم المجمع السكني إلى عدد من الحجرات، التي احتوت على صوامع لتخزين الغلال وأفران أسطوانية الشكل مصنوعة من الفخار، كانت تستخدم في إعداد الطعام وخبز الحبوب وتلبية الاحتياجات اليومية لقاطني الحصن، بما يعكس وجود منظومة متكاملة للإعاشة وإدارة الموارد.

كما كشفت أعمال الحفائر عن مجموعة من الحجرات السكنية بجوار منطقة الآبار في الركن الجنوبي الشرقي للحصن، حيث سبق العثور على 3 آبار حجرية منقوشة بألقاب الملك رمسيس الثاني، وهو ما يشير إلى وجود تجمع سكني ارتبط بالأنشطة اليومية المختلفة ومصادر المياه داخل الموقع.

مخازن للقمح وحبوب متفحمة

وأشار محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، إلى أن بعض الحجرات المكتشفة، خاصة الواقعة إلى الشمال من الشارع الرئيسي، استخدمت كمخازن لحبوب القمح.

وعثر داخل هذه الحجرات على جرار فخارية كبيرة الحجم لا تزال تحتوي على حبوب قمح متفحمة، وهو ما يقدم دليلًا مباشرًا على أساليب تخزين وإدارة الموارد الغذائية وطبيعة النشاط الاقتصادي والمعيشي داخل الحصن.

دفنة تكريمية لحصان ارتبط بالنشاط العسكري

ومن أبرز نتائج أعمال الحفائر الكشف عن دفنة حيوانية كاملة لحصان ذكر صغير السن، أظهرت الدراسات الأولية أنه من سلالة متوسطة الحجم تتميز بالرشاقة والسرعة.

ويرجح استخدام هذا النوع من الخيول في التدريب أو الأنشطة العسكرية أو جر العربات الحربية خلال عصر الدولة الحديثة.

وأظهرت الوضعية الكاملة لجسم الحصان واتجاه الرأس وانتظام الدفن أنه دُفن بصورة مقصودة ومنظمة، بما يرجح أنها دفنة تكريمية.

وعلى بعد أمتار قليلة من الحجرة التي عُثر بها على الدفنة، كشفت البعثة عن قطع أسطوانية من الألباستر والحجر الجيري، يرجح أنها كانت ضمن زخارف عدة حصان العجلة الحربية المعروفة باسم Finial Harness of a Chariot، بما يقدم دلالات إضافية على الطابع العسكري للموقع واستخدام العربات الحربية.

لوحة للملك مرنبتاح لأول مرة في حفائر البحيرة

وأوضح خالد عبد الغني فرحات، مدير عام منطقة آثار البحيرة والمشرف على الحفائر، أن أعمال البعثة أسفرت، لأول مرة في تاريخ حفائر منطقة آثار البحيرة، عن العثور على جزء من لوحة من الحجر الجيري تحمل بقايا نص مكتوب بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح.

ويتضمن النص وصفًا لقوة الملك وتشبيهها بقوة المعبود سيث، إلى جانب الإشارة إلى المعبود بتاح الخالق.

كما عثرت البعثة على بقايا لوحة من الحجر الجيري مكتوبة بالخط الهيروغليفي تحمل اسم الميلاد واسم التتويج والاسم الحوري للملك رمسيس الثاني.

وضمت المكتشفات أيضًا لوحة أخرى تحمل مشهدًا يصور أسيرًا بجسد منحنٍ في وضعية خضوع ومكبل اليدين، وتشير ملابسه إلى أنه أسير ليبي من قبائل المشوش.

وشملت الاكتشافات عددًا من الجعارين التي تلقي الضوء على الهوية الدينية لقاطني الحصن، حيث يحمل بعضها أسماء الملكين رمسيس الثاني وسيتي الأول، فيما تحمل أخرى أسماء وألقاب عدد من المعبودات، من بينها آمون وسخمت وبتاح وسيث.

وتشير هذه المكتشفات إلى حضور هذه المعبودات في الحياة اليومية لقاطني الحصن ولجوئهم إليها طلبًا للحماية.

كما عثرت البعثة على مجموعة من التمائم الدينية المرتبطة بمفاهيم الحماية والخصوبة والتجدد والقوة، من بينها تمائم على هيئة السمكة وزهرة اللوتس وحية الكوبرا وعلامة «نفر» وقرد البابون، بما يعكس الدور المهم للمعتقدات الدينية في حياة الجنود وسكان الحصن.

وضمت اللقى الأثرية مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية والشقافات التي استخدمت في التخزين والطهي وتقديم الطعام وحفظ العطور والزيوت، من بينها زمزمية مرتبطة بالحج إلى أبيدوس.

كما عثر على أدوات ارتبطت بمختلف الأنشطة اليومية، منها أثقال الأنوال المستخدمة في الغزل، وأجزاء من الرحى والمصاحن الحجرية، إلى جانب أثقال الموازين.

وشملت المكتشفات كذلك عددًا من أدوات الزينة والحلي الشخصية، التي تعكس جانبًا من الحياة الاجتماعية والذوق الفني لقاطني الموقع.

وتقدم مجمل هذه الاكتشافات صورة أكثر تكاملًا لمجتمع عاش داخل الحصن، وجمع بين أداء المهام العسكرية وممارسة الشعائر والمعتقدات الدينية ومختلف أنشطة الحياة اليومية.

وتواصل البعثة الأثرية المصرية أعمال الحفائر والدراسة والتوثيق بالموقع للكشف عن مزيد من عناصر الحصن، بما يسهم في استكمال الصورة الأثرية والتاريخية لتل الأبقعين ودوره ضمن منظومة الدفاع عن الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.