الإثنين 14 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
بنوك خارجية

وارش في اختبار صعب.. ترمب يضغط والفيدرالي الأمريكي يواجه التضخم

الإثنين 14/سبتمبر/2026 - 02:40 م
بانكير

يجد كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، نفسه أمام اختبار حاسم بشأن استقلال البنك المركزي، بعدما منحه الرئيس دونالد ترمب عند أداء اليمين في مايو مساحة واسعة لاتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، قبل أن يجد نفسه الآن في مواجهة مباشرة مع رغبة الرئيس في خفض أسعار الفائدة.

وكان ترمب قد أشاد بوَارش خلال مراسم تنصيبه، مؤكدًا ضرورة أن يكون رئيس الفيدرالي «مستقلًا تمامًا»، وقال له: «افعل ما تراه مناسبًا». لكن اقتراب اجتماع البنك المركزي يومي 15 و16 سبتمبر يضع هذه الكلمات أمام اختبار عملي، مع تصاعد التوقعات برفع الفائدة لمواجهة التضخم.

وأظهرت بيانات أسعار المستهلك الصادرة الأسبوع الماضي ارتفاع التضخم الأساسي في أغسطس بوتيرة تجاوزت توقعات الأسواق، ما دفع احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى أكثر من 85% وفقًا لتسعير العقود المستقبلية.

ضغوط ترمب تصطدم بمخاوف التضخم

يتحرك وارش في اتجاه قد يتعارض مع موقف ترمب الذي كرر خلال الفترة الماضية مطالبته بخفض أسعار الفائدة، بل هدد بتصعيد حروبه التجارية إذا لم تتجه السياسة النقدية نحو التيسير.

ويرى الرئيس الأميركي أن تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة يجب أن تكون منخفضة، وهو موقف يكتسب أهمية سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتزايد استياء الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقد يمنح خفض الفائدة ترمب فرصة للترويج لانفراج اقتصادي مرتقب، حتى لو احتاج تأثير القرار عدة أشهر للوصول إلى أقساط الرهن العقاري وتكاليف بطاقات الائتمان.

لكن المشكلة بالنسبة إلى وارش أن خفض الفائدة في وقت تتزايد فيه مؤشرات التضخم قد يضعف ثقة الأسواق في قدرة الفيدرالي على السيطرة على الأسعار.

سابقة باول تلاحق رئيس الفيدرالي

ولا يواجه وارش هذا الاختبار من فراغ، إذ سبق أن تعرض سلفه جيروم باول لضغوط علنية من ترمب بعد أن بدأ الفيدرالي رفع أسعار الفائدة في 2018.

واستمر باول في الحفاظ على مسافة رسمية من البيت الأبيض، رغم الهجمات المتكررة عليه خلال السنوات التالية. ويعتقد بعض مراقبي الفيدرالي أن علاقة وارش الشخصية الأكثر مرونة مع ترمب قد تساعده في احتواء الخلافات.

غير أن الضغوط الحالية تتجاوز التصريحات السياسية. فقد حاول ترمب إقالة عضوة مجلس محافظي الفيدرالي ليزا كوك، في خطوة عرقلتها المحكمة العليا حتى الآن، كما فتحت وزارة العدل تحقيقًا مع باول بشأن مزاعم مرتبطة بإعادة بناء مقر الاحتياطي الفيدرالي قبل إسقاط التحقيق لاحقًا.

وول ستريت ترفع توقعات زيادة الفائدة

ومع صدور بيانات التضخم الأخيرة، بدأت مؤسسات مالية كبرى في تعديل توقعاتها، ومن بينها «تي دي بنك» و«جيه بي مورغان»، لترجح رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل.

وتزداد صعوبة موقف وارش مع وجود انقسام داخل الفيدرالي نفسه، بعدما عارض ثلاثة من صناع السياسة النقدية قرار اجتماع يوليو وطالبوا برفع الفائدة.

ويعني ذلك أن أي محاولة لتأجيل رفع الفائدة قد لا تثير انتقادات من الأسواق فقط، وإنما قد تضع رئيس البنك المركزي أمام اختبار لقدرته على قيادة لجنة السياسة النقدية والحفاظ على توافقها.

الفائدة المرتفعة قد تخدم هدف ترمب

ويرى خبراء اقتصاديون أن المفارقة تكمن في أن رفع الفائدة، رغم تعارضه مع رغبة ترمب المباشرة، قد يساعد الإدارة الأميركية على تحقيق بعض أهدافها الاقتصادية.

فإذا أدى التشديد النقدي إلى تهدئة توقعات التضخم، فقد تنخفض الضغوط على عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، وهو ما يمكن أن ينعكس على تكاليف الرهن العقاري واقتراض الشركات.

ومن هذا المنطلق، يرى بعض الاقتصاديين أن رفع الفائدة قد يبعث برسالة إلى الأسواق مفادها أن الفيدرالي يتحرك للسيطرة على التضخم، بدلًا من ترك المستثمرين يراهنون على استمرار ارتفاع الأسعار.

وارش بين البيت الأبيض والأسواق

ويواجه وارش في الوقت نفسه معادلة شديدة الحساسية؛ فإذا رفع الفائدة، فقد يصطدم مباشرة بترمب، وإذا امتنع عن رفعها رغم توقعات الأسواق وبيانات التضخم، فقد يخاطر بمصداقية الفيدرالي.

وتتضاعف حساسية القرار بعدما ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عامًا بصورة ملحوظة في يوليو، عقب إبقاء الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما اعتبره بعض المستثمرين إشارة إلى عدم اقتناعهم بتفسير البنك المركزي للقرار.

وتشير هذه التطورات إلى أن اختبار وارش لا يتعلق فقط بمستوى الفائدة في سبتمبر، وإنما بمستقبل العلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي، وقدرة البنك المركزي على اتخاذ قراراته بعيدًا عن الحسابات السياسية.

وكان ترمب نفسه قد توقع في يناير الماضي احتمال وقوع مثل هذا الصدام، عندما قال إنه خلال اختيار رئيس الفيدرالي «يقولون كل ما أريد سماعه، ثم يحصلون على الوظيفة»، قبل أن يغيروا موقفهم ويطالبوا برفع أسعار الفائدة.

وبذلك يدخل وارش أسبوعًا بالغ الحساسية، إذ يتعين عليه الموازنة بين ضغوط الرئيس الأميركي، ومخاطر التضخم، وتوقعات الأسواق، وموقف زملائه داخل الفيدرالي، بينما يظل الحفاظ على استقلال البنك المركزي العامل الأهم في تحديد شكل قراره المقبل.