40,200 ميجاوات.. كيف عبرت مصر أصعب اختبار للكهرباء دون تخفيف أحمال؟
نجحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في عبور صيف 2026 دون اللجوء إلى خطط لتخفيف الأحمال، رغم تسجيل الشبكة القومية للكهرباء مستويات قياسية في الطلب على الطاقة، تجاوزت حاجز 40,200 ميجاوات لأول مرة في تاريخ المنظومة.
وجاء تجاوز ذروة الاستهلاك القياسية بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات استخدام الكهرباء، ما فرض ضغوطًا كبيرة على منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع، إلا أن الشبكة تمكنت من الحفاظ على استقرار التغذية الكهربائية على مستوى الجمهورية.
ويعكس هذا الأداء، وفق ما أعلنته وزارة الكهرباء، الاستعداد المبكر لموسم الصيف، ورفع كفاءة البنية الأساسية للشبكة، إلى جانب تأمين احتياجات محطات التوليد من الوقود والتنسيق المستمر مع قطاع البترول.
كيف تجاوزت الشبكة حاجز 40 ألف ميجاوات؟
سجلت الشبكة القومية للكهرباء في أغسطس الماضي حملًا أقصى بلغ 40,200 ميجاوات، بزيادة 200 ميجاوات عن الرقم السابق البالغ 40 ألف ميجاوات، ليصبح أعلى حمل تاريخي تتمكن الشبكة من استيعابه.
وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت قبل بداية الموسم أن الشبكة مستعدة لمواجهة الزيادة المتوقعة في الاستهلاك، مع رفع درجات الاستعداد ومتابعة الأحمال والاحتياطيات التشغيلية بصورة مستمرة. كما أكدت الوزارة وجود تنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية لتأمين احتياجات محطات التوليد من الوقود خلال فترات الذروة.
تنسيق «الكهرباء» و«البترول» لتأمين الوقود
كان توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء أحد العناصر الأساسية في خطة تأمين التغذية خلال الصيف.
وشملت الاستعدادات متابعة احتياطيات الوقود ومعدلات استخدامه، مع التنسيق بين قطاعات الكهرباء والبترول لضمان استمرار تشغيل محطات التوليد خلال ساعات الذروة، بما يدعم قدرة الشبكة على مواجهة الارتفاعات الكبيرة في الطلب.
وأكدت وزارة الكهرباء في اجتماعات الاستعداد للموسم الصيفي أهمية المراجعة اليومية لمخزون الوقود ومعدلات الاستهلاك، إلى جانب متابعة أداء محطات التوليد ومراكز التحكم على مدار الساعة.
34 محطة محولات جديدة ورفع كفاءة 40 محطة
لم تقتصر خطة الاستعداد للصيف على توفير الوقود، وإنما امتدت إلى تطوير شبكة الكهرباء نفسها وزيادة قدرتها على استيعاب الأحمال.
ووفق تصريحات سابقة لوزارة الكهرباء، شهد العام السابق إنشاء 34 محطة محولات جديدة بالكامل، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة 40 محطة أخرى، بما عزز قدرة الشبكة على التعامل مع الزيادة المتوقعة في الاستهلاك خلال الصيف.
كما استمرت أعمال تطوير شبكات النقل ورفع كفاءتها، بهدف تقليل الفقد وزيادة قدرة الشبكة على استيعاب القدرات الكهربائية الجديدة.
أكثر من 35 ألف ميجاوات قدرات مضافة
ويمثل استقرار الشبكة خلال صيف 2026 نتيجة لمسار طويل من التوسع في قدرات إنتاج الكهرباء، بدأ منذ عام 2014 وشمل تنفيذ مشروعات ضخمة في مجالات التوليد التقليدي والطاقة المتجددة.
وشهد قطاع الكهرباء إضافة قدرات إنتاجية كبيرة، من بينها تنفيذ الخطة العاجلة بقدرة 3636 ميجاوات خلال نحو 8 أشهر ونصف، واستكمال محطات قائمة بقدرة 4250 ميجاوات.
كما دخلت محطات بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الخدمة ضمن المشروعات المنفذة بالتعاون مع شركة «سيمنس» بقدرات إجمالية بلغت 14,400 ميجاوات.
وشملت خطط رفع كفاءة محطات التوليد تحويل عدد من الوحدات للعمل بنظام الدورة المركبة، بما أضاف قدرات تصل إلى 1840 ميجاوات دون الحاجة إلى وقود إضافي، ومن بينها محطات غرب دمياط وغرب أسيوط والشباب و6 أكتوبر.
الطاقة المتجددة تدعم استقرار المنظومة
إلى جانب محطات التوليد التقليدية، توسعت مصر في إضافة قدرات من الطاقة المتجددة، سواء من الرياح أو الطاقة الشمسية.
وتجاوزت قدرات مشروعات طاقة الرياح المشار إليها في خطة القطاع 3000 ميجاوات، بينها مشروعات تابعة لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة وأخرى ينفذها القطاع الخاص.
كما تجاوزت قدرات مشروعات الطاقة الشمسية التابعة للقطاع الخاص 4000 ميجاوات، ومن أبرزها مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقدرة 1465 ميجاوات، إلى جانب مشروعات أخرى دخلت الخدمة أو يجري تنفيذها.
وتتضمن الخطط المستقبلية إضافة قدرات جديدة من مشروعات الرياح والطاقة الشمسية، بما يعزز تنوع مصادر الكهرباء ويقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.
بطاريات التخزين.. حل لتحدي تذبذب الطاقة المتجددة
ومع التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، برزت أنظمة بطاريات تخزين الطاقة كأحد الحلول التي تستهدف التعامل مع طبيعة مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة.
وتتيح أنظمة تخزين الطاقة الكبرى الاحتفاظ بجزء من الكهرباء المنتجة خلال فترات ارتفاع التوليد، ثم إعادة ضخها إلى الشبكة عند انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية أو تراجع سرعات الرياح.
وبحسب ما ورد في تصريحات المصدر، أضيفت قدرات تخزين تصل إلى 500 ميجاوات ساعة خلال عامي 2025 و2026، مع استهداف الوصول إلى 14,320 ميجاوات ساعة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ويعني ذلك أن استراتيجية قطاع الكهرباء لا تركز فقط على زيادة القدرات المنتجة، وإنما تتجه أيضًا إلى بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على إدارة مصادر الطاقة المختلفة.
تطوير «شرايين النقل» لاستيعاب القدرات الجديدة
وبالتوازي مع زيادة قدرات التوليد، عمل قطاع الكهرباء على تطوير شبكة نقل الكهرباء باعتبارها حلقة أساسية في استقرار المنظومة.
وشملت أعمال التطوير إضافة 36 محطة محولات على مستويات جهد مختلفة، بما يعزز قدرة شبكة النقل على استيعاب الزيادة في القدرات الكهربائية.
وبلغت السعات المضافة نحو 9750 ميجا فولت أمبير على جهد 500 كيلوفولت، و9660 ميجا فولت أمبير على جهد 220 كيلوفولت، بالإضافة إلى 3645 ميجا فولت أمبير على جهد 66 كيلوفولت.
وتدعم هذه التوسعات قدرة الشبكة على نقل الكهرباء من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك، وتقليل الاختناقات ورفع مستوى الاعتمادية والمرونة التشغيلية.
صيف 2026.. اختبار حقيقي لقدرة الشبكة
كان صيف 2026 اختبارًا فعليًا لمنظومة الكهرباء في مصر، بعدما ارتفعت الأحمال إلى مستويات قياسية وسط موجات الحر وزيادة الطلب على أجهزة التكييف والتبريد.
ورغم تسجيل حمل أقصى بلغ 40,200 ميجاوات، أعلنت وزارة الكهرباء تجاوز الموسم دون اللجوء إلى تخفيف الأحمال، في مؤشر على قدرة منظومة الإنتاج والنقل والتحكم على التعامل مع مستويات الاستهلاك القياسية.
وتكشف تجربة هذا الصيف أن تأمين الكهرباء لا يعتمد على زيادة قدرات التوليد فقط، وإنما يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل توفير الوقود، ورفع كفاءة المحطات، وتطوير شبكات النقل، والتوسع في الطاقة المتجددة، وإدخال تقنيات التخزين، إلى جانب المتابعة المستمرة للأحمال ومراكز التحكم.
وبهذه المنظومة، تمكن قطاع الكهرباء من التعامل مع ذروة تجاوزت حاجز 40 ألف ميجاوات والحفاظ على استقرار الشبكة خلال موسم صيف 2026، رغم التحديات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة.
