700 دولار بلا شروط.. تجربة في مالاوي تختبر فكرة جديدة لمكافحة الفقر
اعتمدت برامج مكافحة الفقر على مبدأ أن الدعم المالي وحده لا يكفي لإحداث تغيير مستدام في حياة الأسر الأكثر احتياجًا، وأن الخروج من دائرة الفقر يحتاج إلى مزيج من التعليم والتدريب واكتساب المهارات التي تتيح للفرد الحصول على دخل مستمر.
تجربة جديدة في مالاوي تضع هذه الفكرة أمام اختبار مختلف، وتنطلق من سؤال بسيط لكنه جوهري: ماذا لو لم تكن المشكلة في غياب المهارات أو الأفكار، وإنما في عدم امتلاك رأس المال اللازم لتحويلها إلى مصدر دخل؟
700 دولار لكل مستفيد.. والقرار بيد الأسرة
وبحسب تقرير نشرته «بلومبرج»، يستفيد نحو 230 ألف شخص في مالاوي من تحويلات نقدية تصل إلى حوالي 700 دولار للفرد، ضمن برنامج تبلغ تكلفته الإجمالية نحو 198 مليون دولار.
واللافت في التجربة أنها لا تفرض على المستفيدين طريقة محددة لإنفاق الأموال، فلا يشترط عليهم الالتحاق بدورات تدريبية، أو شراء معدات بعينها، أو إنشاء مشروعات وفق نموذج محدد.
بدلًا من ذلك، يحصل المستفيد على المال ويقرر بنفسه كيفية استخدامه، وفقًا لأولوياته واحتياجاته والفرص المتاحة أمامه.
وتحاول التجربة بذلك اختبار نموذج مختلف في مكافحة الفقر، يقوم على منح الأسر الفقيرة رأس المال مباشرة، مع ترك مساحة أكبر لها لاتخاذ القرارات الاقتصادية بدلًا من تصميم مسار إنفاق المساعدة مسبقًا.
من الاحتياجات اليومية إلى مشروعات صغيرة
بدأت نتائج البرنامج في الظهور من خلال أنشطة اقتصادية متنوعة داخل المجتمعات المستفيدة، وهو ما يشير إلى أن جزءًا من الأموال لم يتجه فقط إلى الاستهلاك وتغطية الاحتياجات الأساسية.
ومن بين النماذج التي رصدها التقرير شاب يبلغ من العمر 19 عامًا استخدم الأموال في إنشاء دار سينما، بينما تمكن خياط من شراء ماكينة جديدة ساعدته على زيادة قدرته الإنتاجية وتلبية المزيد من طلبات العملاء.
وفي قرية أخرى، استخدم صاحب متجر المبلغ لشراء أول ثلاجة في المنطقة، بينما اختار مستفيدون آخرون شراء الماعز أو توسيع متاجرهم القائمة وتطوير أنشطتهم التجارية.
وتكشف هذه الأمثلة عن اختلاف طريقة استثمار الأموال من شخص إلى آخر، لكنها في الوقت نفسه تظهر قدرة بعض المستفيدين على تحويل الدعم النقدي إلى أصول ومعدات ورؤوس أموال يمكن أن تنتج دخلًا في المستقبل.
كل دولار يولد 2.5 دولار من النشاط الاقتصادي
تكتسب التجربة أهمية أكبر بسبب النتائج التي رافقت تقييمها، إذ تشير البيانات إلى أن كل دولار تم توزيعه ساهم في توليد نحو 2.5 دولار من النشاط الاقتصادي الإضافي خلال 30 شهرًا.
والأكثر أهمية أن هذا النشاط الإضافي لم يصاحبه تأثير كبير على الأسعار، وهو ما يشير إلى أن جزءًا معتبرًا من الأموال تحول إلى نشاط إنتاجي وتجاري، وليس مجرد زيادة في الاستهلاك.
كما أن الأثر الاقتصادي لا يتوقف عند المستفيد المباشر، إذ يمكن أن تمتد الدورة الاقتصادية إلى أصحاب المتاجر والمزارعين والحرفيين ومقدمي الخدمات الذين يتعامل معهم المستفيدون.
وبذلك يتحول الدعم النقدي من مجرد مساعدة تقدم لأسرة فقيرة إلى رأس مال يتحرك داخل المجتمع المحلي ويخلق طلبًا وفرصًا اقتصادية جديدة.
أين تذهب أموال برامج المساعدات؟
تطرح التجربة أيضًا مسألة أخرى تتعلق بكفاءة برامج مكافحة الفقر، وهي مقدار الأموال الذي يصل بالفعل إلى المستفيد النهائي.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، يصل نحو 83% من قيمة التبرعات إلى المستفيدين بصورة مباشرة، في حين تستهلك برامج المساعدات التقليدية جزءًا من مواردها في الإدارة والتدريب والموظفين والنقل والخدمات المرتبطة بالتنفيذ.
ولا يعني ذلك أن هذه التكاليف غير ضرورية، لكنها تفتح بابًا للمقارنة بين نموذج يعتمد على تحويل الأموال مباشرة إلى الأسر، ونموذج آخر يوجه جزءًا من الموارد إلى تصميم برامج تدريبية وإدارية ومتابعة كيفية استخدام الدعم.
مالاوي.. مساعدات بمليارات الدولارات وفقر مستمر
تكتسب التجربة خصوصيتها من واقع الاقتصاد المالاوي نفسه، إذ اعتمدت البلاد لفترات طويلة على المساعدات الخارجية.
وخلال نحو عقدين، تلقت مالاوي مساعدات تقدر بحوالي 20 مليار دولار، ورغم ضخامة هذه الموارد، ظلت معدلات الفقر مرتفعة، ما أعاد طرح تساؤلات حول مدى قدرة نماذج المساعدات التقليدية وحدها على تحقيق تحول اقتصادي مستدام.
ولا تعني هذه النتيجة أن المساعدات السابقة لم تحقق أي آثار إيجابية، لكنها تفرض سؤالًا أكثر عمقًا: هل تحتاج برامج مكافحة الفقر إلى تغيير طريقة تصميمها، بحيث يحصل الفقراء على الموارد ويقررون بأنفسهم أفضل طريقة لاستخدامها؟
هل المشكلة في المهارات أم في رأس المال؟
تقدم تجربة مالاوي فرضية مختلفة عن التصور التقليدي للفقر.
فقد يمتلك الشخص مهارة الخياطة أو التجارة أو تربية الحيوانات، لكنه لا يستطيع تحويل هذه المهارة إلى مشروع قابل للنمو لأنه لا يمتلك ثمن ماكينة، أو معدات، أو رأس مال لشراء بضاعة، أو أصول تساعده على زيادة الإنتاج.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون التدريب الإضافي هو الحلقة المفقودة، وإنما رأس المال الأولي الذي يسمح بتحويل المعرفة الموجودة بالفعل إلى نشاط اقتصادي.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية للتجربة: بدلًا من افتراض أن الفقير لا يعرف ما يحتاج إليه، تمنحه الأموال وتترك له فرصة اكتشاف أفضل استخدام لها وفقًا لظروفه المحلية.
هل الدعم النقدي أفضل من التدريب؟
لا تقدم تجربة مالاوي إجابة نهائية بأن التحويلات النقدية هي الحل الأفضل لكل حالات الفقر، كما أنها لا تلغي أهمية التعليم والتدريب والرعاية الصحية وبرامج الدعم الأخرى.
لكنها تقدم دليلًا يستحق الدراسة على أن بعض الأسر قد تكون قادرة على تحسين أوضاعها إذا حصلت فقط على الموارد التي تعيقها عن بدء نشاط اقتصادي أو تطوير مشروع قائم.
وقد يستخدم أحد المستفيدين المال في شراء غذاء أو سداد احتياجات أساسية، بينما يحوله آخر إلى ماكينة أو حيوان منتج أو مخزون تجاري. وبالتالي، فإن ترك القرار للأسرة يجعل أثر الدعم مختلفًا بحسب احتياجاتها وقدرتها على استثمار الفرصة.
تجربة تفتح بابًا جديدًا في مكافحة الفقر
في النهاية، لا تكمن أهمية تجربة مالاوي في مبلغ الـ700 دولار وحده، وإنما في الفكرة التي تختبرها: ربما لا يحتاج بعض الفقراء إلى مزيد من التعليمات حول كيفية تحسين حياتهم، بقدر ما يحتاجون إلى رأس مال يمنحهم القدرة على تنفيذ ما يعرفون بالفعل كيف يفعلونه.
وإذا كانت نتائج التجربة تشير إلى أن كل دولار يمكن أن يولد 2.5 دولار من النشاط الاقتصادي، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نساعد الفقراء؟ وإنما أيضًا: هل نثق في قدرتهم على تحديد أفضل استخدام للمساعدة عندما نمنحهم الموارد والحرية معًا؟
وربما تكون الإجابة واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن تقدمها التجربة للسياسات المستقبلية: في بعض الحالات، قد لا يكون الفقر نتيجة غياب المهارة أو الطموح، وإنما نتيجة غياب رأس المال الذي يحول المهارة والطموح إلى فرصة اقتصادية حقيقية.








