الإثنين 24 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

«الفجالة».. شارع القرن يروي الحكايات بـ الورقة والقلم

الإثنين 24/أغسطس/2026 - 06:00 م
شارع الفجالة قديمًا
شارع الفجالة قديمًا

على مسافة خطوات من ميدان رمسيس، قلب القاهرة،  يقف شارع الفجالة، صفحة مفتوحة من تاريخ المدينة، كلما تجولت تطوي صفحات تسرد حكايات من تاريخ، مكتبات قديمة، رزم من الكتب والكشاكيل، أدوات مدرسية معلقة على الواجهات، وباعة يعرفون زبائنهم بالاسم. وبينما يتغير وجه القاهرة من حوله، حافظت الفجالة على مكانتها كسوق ارتبط لعقود بالكتاب والتعليم والقرطاسية.

الاسم الحقيقي  شارع كامل صدقي، بينما التصق بها اسم الفجالة منذ زمن طويل،  وترجح إحدى الروايات الشعبية أن الاسم ارتبط بزراعة الفجل في المنطقة قبل نحو مائتي عام، وإن كانت روايات تسمية المكان متعددة.

من أرض زراعية إلى عاصمة للكتاب

لم تبدأ الفجالة كسوق للكتب، لكن المنطقة تحولت تدريجيًا إلى مركز مهم للنشر والطباعة والمكتبات. وبحلول القرن العشرين، أصبحت واحدة من أبرز النقاط الثقافية في القاهرة، واستقرت بها مطابع ودور نشر ومكتبات ذاع صيتها، وتحولت إلى مقصد للكتاب والمثقفين والطلاب.

وكانت المنطقة مرتبطة بأسماء ومؤسسات تركت بصمتها في تاريخ النشر المصري. ومن بين المؤسسات التي حافظت على حضورها دار المعارف التي بدأت عام 1890، ومكتبة مصر التي تأسست عام 1932، إلى جانب دور نشر أخرى ارتبطت بإصدارات أدبية وثقافية مهمة، ولم تكن الفجالة مجرد مكان لشراء كتاب؛ فقد كانت في فترات سابقة مساحة للقاءات والندوات والصالونات الثقافية، ومرّ بها كبار الأدباء والمثقفين، وهو ما جعل الشارع جزءًا من ذاكرة الحياة الثقافية في القاهرة.

عندما تغيّر النشاط

 

مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت بعض المحال في تغيير نشاطها، خاصة مع ارتفاع جاذبية تجارة الأدوات الصحية والسيراميك مقارنة بهوامش الربح في تجارة الكتب والأدوات المكتبية،  وبمرور الوقت، انقسمت المنطقة إلى مساحات يغلب عليها نشاط الكتب والقرطاسية، وأخرى أصبحت مركزًا معروفًا للأدوات الصحية والسيراميك.

وهكذا أصبح المشهد اللافت في الفجالة أن تجد مكتبة إلى جوار محل سيراميك، ورفوف الكتب بجوار مستلزمات الحمامات والمطابخ. هذا التداخل لم يكن مجرد صدفة عمرانية، بل انعكاسًا لتحول اقتصادي طويل أعاد رسم خريطة النشاط التجاري في المنطقة.

موسم الدراسة.. «الموسم الكبير»

ورغم تغيرات العقود الأخيرة، تبقى الفجالة مرتبطة في أذهان المصريين بموسم العودة إلى المدارس والجامعات، وقبل بدء الدراسة، تتحول المنطقة إلى خلية نحل؛ أسر تبحث عن الكتب الخارجية، وطلاب يشترون الكراسات والأقلام، وتجار يتوافدون للحصول على مستلزمات بكميات أكبر. وتشير تقارير سابقة إلى أن تنوع المنتجات والبيع بأسعار الجملة أو القريبة منها جعلا الفجالة مقصدًا رئيسيًا للأسر والتجار، خاصة في موسم الدراسة.

اقتصاديًا، لا تعتمد قوة الفجالة على الكتاب وحده، فالمنظومة التجارية تشمل الكتب الخارجية، الكراسات، الأدوات المكتبية، مستلزمات المدارس والجامعات، الأوراق، المراجع، والأدوات المتخصصة لطلاب بعض الكليات. وهذا التنوع يمنح المنطقة قدرة على جذب شرائح مختلفة من العملاء طوال العام، مع قفزة واضحة في النشاط خلال موسم الدراسة.

الفجالة أمام تحدي المستقبل

تواجه الفجالة منافسة جديدة لا تأتي فقط من الأسواق الأخرى، بل من التجارة الإلكترونية وتغير عادات القراءة والشراء. فالكتاب لم يعد مرتبطًا بالرف والمكتبة كما كان في الماضي، وأصبح الوصول إلى المحتوى الرقمي أسهل، بينما توسعت منافذ بيع الأدوات المدرسية خارج المنطقة.