تراجع الجنيه المصري يرفع التضخم ويحد من الواردات.. دراسة لصندوق النقد ترصد تداعيات خفض سعر الصرف
كشفت تقديرات حديثة لخبراء صندوق النقد الدولي عن التأثيرات الاقتصادية لانخفاض سعر صرف الجنيه المصري، مؤكدة أن الضغوط الأكثر مباشرة تتركز في ارتفاع معدلات التضخم العام والأساسي، بينما تبدو انعكاسات تراجع العملة على النشاط الاقتصادي الحقيقي والمالية العامة والميزان التجاري محدودة نسبيًا على المدى القصير.
وتوفر التحركات المتكررة في سعر صرف الجنيه منذ عام 2016 بيئة تحليلية مناسبة لرصد هذه التأثيرات، بعدما فقدت العملة المصرية نحو 80% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي عبر خمس محطات رئيسية لإعادة التسعير.
التضخم.. القناة الأكثر تأثرًا
وأظهرت الدراسة التجريبية، التي تغطي الفترة بين عامي 2010 و2026، باستخدام منهجيات قياسية لقياس الاستجابات غير المتوقعة لصدمات سعر الصرف، أن التضخم يمثل القناة الرئيسية التي تتأثر بانخفاض قيمة العملة.
وتشير النتائج إلى أن التأثير التضخمي يتصاعد تدريجيًا، ليبلغ ذروته بعد نحو 6 إلى 10 أشهر من وقوع صدمة انخفاض سعر الصرف.
وبحسب التقديرات، يؤدي انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 1% إلى زيادة في التضخم تتراوح بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية، فيما يصل متوسط الأثر السنوي إلى نحو 0.23 نقطة مئوية.
وبالتالي، فإن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 10% قد يدفع معدل التضخم الرئيسي إلى الارتفاع بنحو 2.3 نقطة مئوية فوق مساره الطبيعي خلال العام الأول من الصدمة.
تراجع محدود في الواردات
وعلى مستوى القطاع الخارجي، أظهرت البيانات انخفاضًا مؤقتًا في أحجام الواردات الحقيقية، بلغ ذروته عند نحو 0.4% بعد مرور ربعين على صدمة سعر الصرف، بينما بلغ متوسط التراجع نحو 0.2% خلال السنة الأولى.
ويرتبط محدودية هذا التأثير وسرعة تلاشيه بطبيعة هيكل الواردات المصرية، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على السلع الغذائية والوقود ومدخلات الإنتاج، وهي سلع يصعب تقليص الطلب عليها بصورة كبيرة حتى مع ارتفاع تكلفتها نتيجة انخفاض قيمة العملة.
في المقابل، لم تظهر الصادرات الحقيقية أو الحساب الجاري استجابة ذات دلالة إحصائية لانخفاض سعر الصرف، وهو ما تعزوه الدراسة إلى طبيعة هيكل مصادر النقد الأجنبي في مصر، بما يشمل المحروقات وإيرادات قناة السويس والسياحة والتحويلات.
وتعتمد قطاعات رئيسية من هذه المصادر على التسعير بالعملات الأجنبية، الأمر الذي يحد من ارتباط أدائها بالتغيرات في القدرة التنافسية السعرية الناتجة عن انخفاض قيمة العملة المحلية.
كما أظهرت البيانات استقرارًا نسبيًا في حجم الاحتياطيات الدولية، دون تسجيل تغيرات جوهرية يمكن ربطها بصورة مباشرة بآليات تعديل سعر الصرف.
وتتأثر حركة التدفقات الأجنبية بدرجة أكبر بتوقيت التمويل الداخلي وبرامج التكيف والإجراءات الهيكلية التي تتبناها السلطات النقدية بهدف دعم الأصول الاحتياطية وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية.
وعلى صعيد المالية العامة، لم تسجل الإيرادات أو النفقات الحكومية تغيرات حادة على المدى القصير نتيجة انخفاض قيمة الجنيه، في ظل وجود درجة من الجمود المؤسسي إلى جانب تأثيرات إعادة تقييم الأصول والالتزامات.
وتشير النتائج إلى أن التأثيرات المالية لانخفاض سعر الصرف تظهر بصورة أكبر بصورة غير مباشرة، عبر انعكاساته على التضخم والنشاط الاقتصادي، ما يفرض على صانعي السياسة النقدية ضرورة تحقيق توازن دقيق بين إدارة ضغوط سوق الصرف واحتواء التداعيات التضخمية.
التدفقات المالية تتأثر بالصدمات الإقليمية
وفي سياق متصل، شهدت التدفقات المالية تراجعًا بنحو 13% عقب التطورات الإقليمية في فبراير 2026، قبل أن تعاود الارتفاع مع تحسن الظروف والتدفقات المالية.
وتعكس هذه التطورات حساسية الاقتصاد المصري للصدمات الخارجية، في الوقت الذي تظل فيه قدرة سعر الصرف المرن على امتصاص هذه الصدمات مرتبطة بمدى توافر تدفقات النقد الأجنبي واستقرار مصادر التمويل الخارجي.
وتخلص التقديرات إلى أن انخفاض قيمة الجنيه ينتقل إلى الاقتصاد المصري بصورة أساسية عبر قناة الأسعار، بينما تظل التداعيات المباشرة على التجارة والنشاط الحقيقي والمالية العامة أكثر محدودية في الأجل القصير، وهو ما يجعل السيطرة على الضغوط التضخمية أحد أبرز التحديات المصاحبة لمرونة سعر الصرف.


