الثلاثاء 19 مايو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

87 مليار جنيه أقساط وديون.. كيف ابتلعت شركات التمويل الاستهلاكي أموال المصريين؟

الثلاثاء 19/مايو/2026 - 09:37 ص
بانكير

في كل شارع تقريبًا، وعلى شاشات الهواتف ومواقع التواصل، تظهر الإعلانات نفسها بصيغ مختلفة.. “هات دلوقتي وادفع بعدين”، “قسط براحتك”، “موافقة خلال دقائق”، “بدون مقدم”.

 وبينما تبدو الفكرة للكثيرين طوق نجاة وسط الغلاء، تحولت شركات التمويل الاستهلاكي في مصر خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الظواهر الاقتصادية إثارة للجدل، بعد أن دخل ملايين المواطنين دائرة أقساط لا تنتهي، مقابل شراء هواتف وأجهزة وملابس وحتى مستلزمات الحياة اليومية.

أرقام تكشف حجم الانفجار

الأرقام الرسمية تكشف حجم التوسع الضخم في السوق. فبحسب بيانات الرقابة المالية، تجاوزت قيمة التمويلات الاستهلاكية في مصر 87 مليار جنيه خلال أول 11 شهرًا من عام 2025، مع نمو عدد العملاء بنسبة تخطت 186%، فيما سجلت الشركات نحو 58 مليار جنيه تمويلات خلال نصف عام فقط لصالح أكثر من 7.2 مليون عميل.

ورغم أن فكرة التقسيط ليست جديدة، فإن ما تغير مؤخرًا هو تحولها من وسيلة لشراء الضروريات إلى “أسلوب حياة” كامل يعتمد على الديون الشهرية.

 فبعدما كان التقسيط يقتصر على الأجهزة الكهربائية أو الأثاث، امتد ليشمل الهواتف الحديثة والملابس والبراندات والتشطيبات والرحلات وحتى بعض المصروفات المعيشية.

القسط الصغير.. والفاتورة الكبيرة

المشكلة الحقيقية، بحسب خبراء اقتصاديين، لا تكمن في التقسيط نفسه، بل في “الوهم” الذي تبيعه بعض الشركات للمستهلك، حيث يبدو القسط الشهري صغيرًا ومريحًا، بينما تكون التكلفة النهائية للسلعة أعلى بكثير من سعرها الأصلي بسبب الفوائد والمصاريف الإدارية وغرامات التأخير.

وفي كثير من الحالات، يشتري مواطن هاتفًا سعره 40 ألف جنيه، ثم يكتشف بعد انتهاء فترة السداد أنه دفع ما يقترب من 60 أو 70 ألف جنيه. ومع طول مدد السداد، يتحول القسط الشهري إلى عبء دائم يلتهم جزءًا ثابتًا من الراتب.

لماذا يلجأ المصريون للتقسيط؟

ويرى متخصصون أن الأزمة ترتبط بشكل مباشر بتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بعد القفزات الكبيرة في أسعار السلع خلال السنوات الأخيرة، مقابل دخول لم ترتفع بنفس الوتيرة. 

وهذا الوضع دفع قطاعات واسعة من الشباب والأسر للبحث عن أي وسيلة تمكنهم من الشراء، حتى لو كان الثمن سنوات من الأقساط.

كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في زيادة الضغوط الاستهلاكية، خاصة مع انتشار ثقافة “البراند” والمظاهر، وهو ما جعل البعض يقترض لشراء منتجات لا تعتبر ضرورية في الأساس، فقط للحفاظ على صورة اجتماعية معينة.

مأساة قصص الديون 

ومع اتساع الظاهرة، بدأت قصص التعثر المالي تظهر بوضوح على مواقع التواصل، حيث يشتكي كثير من الشباب من تراكم الأقساط والديون الشهرية، خاصة بعد أي أزمة مفاجئة مثل فقدان وظيفة أو تأخر راتب أو زيادة مصروفات الأسرة.

وبالنسبة لكثير من الأسر، لم تعد الأقساط مجرد التزام مالي مؤقت، بل تحولت إلى ضغط نفسي دائم، مع الخوف المستمر من التأخير في السداد وما يترتب عليه من غرامات وملاحقات من شركات التحصيل.

مخاوف من فقاعة استهلاكية

وحذر خبراء وإعلاميون مؤخرًا من احتمالات تشكل “فقاعة استهلاكية” في مصر، مع التوسع السريع في التمويل خارج القطاع البنكي التقليدي، مؤكدين أن الخطر الأكبر لا يظهر وقت الشراء، بل عند أول تعثر في السداد، حين تتحول الأقساط الصغيرة إلى غرامات وفوائد وضغوط نفسية وملاحقات تحصيل.

ورغم ذلك، تستمر شركات التمويل في النمو بقوة، مستفيدة من سوق ضخمة تعاني من نقص السيولة وارتفاع الأسعار، إلى جانب سهولة إجراءات الحصول على التمويل مقارنة بالبنوك.

السؤال الأصعب

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة مع تصاعد الظاهرة: هل أصبح التقسيط في مصر وسيلة لتسهيل الحياة فعلًا، أم تحول إلى فخ اقتصادي جديد يستهلك دخول المواطنين شهرًا بعد شهر؟