رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

عمرو عامر يكتب: الوجه المخيف لشركات التمويل الاستهلاكي

الأحد 17/مايو/2026 - 05:27 م
عمرو عامر
عمرو عامر

منذ نشر المقالة الأخيرة بشأن مخاطر التوسع الشره في أنشطة شركات التقسيط الاستهلاكي وانهالت علينا مئات الرسائل من القراء تحوى في طياتها تفاصيل مفزعة لما خلفته الهرولة على تلك الشركات بدون حساب العواقب وأبدى أصحابها ندما شديدا من وقوعهم فريسة لاغراءات تلك الشركات، والتي تصرف القروض بدون ضوابط للعملاء قبل أن تسلط عليهم موظفي الجباية وتكيل لهم الإهانات والتهديدات والفضح، ليستيقظوا على كوابيس مفزعة وخسارة كل شيء بعد أن سقطوا بين سندان التعثر ومطرقة الفضيحة والسجن..

حكايات حولت أصحابها إلى مطاريد عن بلادهم هربا من موظفي الجباية لتلك الشركات في العمل والبيت والجيران، تلاحقهم اتهامات التهرب من السداد أو العجز إن صح التعبير بعد أن فتحت لهم شركات التقسيط خزائنها دون حساب أو معرفة العواقب خلف العروض البراقة والاغراء المزيف وفترات السماح الوهمية، لتخلق تلك الشركات واقعا مجتمعيا خطيراً في آلاف القرى والكفور والنجوع ألقى بظلال أخطر على المشهد الأمني والخلل المجتمعي والأخلاقي نتيجة ممارسات غير مسؤولة من الشركات والتي اقرضت فلاح بسيط مبلغا يفوق بكثير قدرته على السداد تاركين الدولة تواجه أزمة حقيقية تهدد الأمن المجتمعي برمته.

الطامة الكبرى أن أغلب تلك القروض التي تصرفها شركات التمويل الاستهلاكي المشتق من اسمها هي لأغراض استهلاكية وليس كما يقدم في الأوراق على أنها قروض مشروعات وبالتالي لا مورد حقيقي السداد بخلاف استخدام تلك القروض في غير الهدف الاستثماري أو حتى الاستهلاكي وتحديدا في بعض الأنشطة غير الشرعية كمن يحصل على قرض بضمان شخصي من زوجته أو أخته أو أخيه ثم يهرب به بعد أن أنفقه في أوجه غير شرعية وروايات وملفات الغارمين والغارمات المكدسة في السجون تدلل على تلك الحقيقة المخيفة.

المخاطر الأمنية والجنائية.. الوجه المظلم للديون

​الضغط المالي المستمر لا ينعكس فقط على الحالة النفسية للمقترض، بل يمتد مباشرة إلى ساحات القضاء ومراكز الشرطة، مهدداً السلم الأهلي عبر عدة مسارات منها ​ارتفاع معدلات الجريمة الجنائية فعندما تضيق السبل بالمقترض العاجز عن السداد ويواجه شبح السجن، قد يلجأ البعض إلى سلوكيات إجرامية كالسرقة، الاختلاس، النصب والاحتيال، أو حتى الانخراط في تجارة الممنوعات لتوفير السيولة السريعة.

وكما قلنا ​فان التوسع العشوائي في القروض إلى تحويل آلاف المواطنين خاصة من الفئات الأكثر احتياجاً إلى مطلوبين قضائياً وهذا الأمر يضغط بشكل هائل على المنظومة الأمنية والقضائية، ويسهم في تكدس السجون بأفراد لم تكن لديهم أسبقيات إجرامية.

بخلاف ​تغذية الاقتصاد الخفي والجرائم المستحدثة إذ يقع الكثير من المتعثرين ضحية لـ "تجار الديون" أو شركات التمويل الغير مرخصة والتي تمارس أساليب ابتزاز إلكتروني، وتهديد بانتهاك الخصوصية، مما يخلق بيئة خصبة للجريمة الإلكترونية المنظمة.

ثمة وجه آخر لا يقل خطورة للتوسع في الإقراض الاستهلاكي والمتمثل في ​سهولة الحصول على القروض الاستهلاكية حيث تضرب القيم المجتمعية والاستقرار الأسري في مقتل، وتظهر آثارها جلية في عدة مظاهر  أبرزها تفكك النسيج الأسري حيث ​تعد الخلافات المالية الناتجة عن تراكم الديون وأقساط السلع غير الضرورية أحد أبرز الأسباب المؤدية إلى ارتفاع معدلات الطلاق فالقلق الدائم من الملاحقات القضائية يخلق بيئة أسرية مشحونة بالتوتر، مما ينعكس سلباً على التربية النفسية للأبناء ويؤدي في بعض الحالات إلى تشردهم.

تكريس "ثقافة الاستهلاك الزائف" هي أحد نتاج الإقراض غير المحسوب لتلك الشركات حيث أسهمت قروض التقسيط في تغيير السلوك المجتمعي؛ حيث تحول أفراد المجتمع من ثقافة "الادخار من أجل الشراء" إلى ثقافة "الشراء الفوري على حساب المستقبل" وهذا النمط السلوكي يغذي قيم المظاهر والطبقية الزائفة، ويحرم الأسر من بناء أي مصدات مالية (مدخرات) لمواجهة الأزمات الحقيقية كالحالات الصحية الطارئة أو فقدان الوظائف.

​هناك جانب آخر أكثر قسوة لاطماع شركات التمويل الاستهلاكي والتي تسبب إجراءاتها الاضطرابات النفسية والانتحار حيث ​ترتبط الديون ارتباطاً وثيقاً بزيادة معدلات الاكتئاب الحاد، القلق المزمن، وشعور العجز في بعض الحالات المأساوية، عندما يصل المقترض إلى طريق مسدود مع شركات التمويل، قد يرى في الانتحار أو الهروب واختفاء الأثر المخرج الوحيد، مما يترك وراءه أسراً محطمة كلياً... 
هل حان الوقت للتحرك لمواجهة الممارسات الغير منضبطة لكثير من شركات التمويل الاستهلاكي قبل أن تتحول المشكلات لأزمات لا يمكن حلها.