استراتيجية حكومية قريبة.. مصر تستعد لإعلان تفاصيل التحول إلى الدعم النقدي المباشر
تتجه الحكومة خلال الفترة الحالية إلى تنفيذ واحدة من أهم خطوات إصلاح منظومة الدعم، عبر دراسة تطبيق نظام الدعم النقدي المباشر، تمهيدًا لبدء العمل به مع انطلاق العام المالي الجديد. وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من الدراسات والمراجعات التي استهدفت تقييم كفاءة الدعم العيني التقليدي، ومدى قدرته على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم.
وتؤكد الحكومة أن الهدف الرئيسي من التحول نحو الدعم النقدي يتمثل في ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر عدالة وكفاءة، إلى جانب تقليل الفاقد الناتج عن عمليات التخزين والنقل والتوزيع، فضلاً عن مواجهة ظواهر تسرب الدعم واستفادة غير المستحقين منه. ويعتمد النظام الجديد على منح الأسر المستحقة مبالغ مالية مباشرة، بدلاً من الحصول على السلع التموينية التقليدية، بما يمنح المواطنين حرية أكبر في تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجاتهم الأساسية.
تجارب دولية تدعم توجه التحول
التحول نحو الدعم النقدي ليس تجربة مصرية خالصة، بل سبق أن اتجهت إليه العديد من الدول خلال السنوات الماضية، استنادًا إلى توصيات صادرة عن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتشير هذه التقارير إلى أن الدعم النقدي ساهم في بعض الدول في تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتقليل معدلات الفقر، وتعزيز وصول المساعدات إلى الفئات المستهدفة بصورة أكثر دقة.

كما أوضحت الدراسات أن الدعم السلعي التقليدي كثيرًا ما تستفيد منه فئات غير مستحقة، بما في ذلك أصحاب الدخول المرتفعة، وهو ما يضعف من فعالية منظومة الحماية الاجتماعية. وفي المقابل، يمنح الدعم النقدي الأسر مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها اليومية، سواء في الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية أو غيرها من المتطلبات الأساسية.
ورغم ذلك، فإن التجارب الدولية أظهرت أيضًا وجود تحديات مرتبطة بتطبيق الدعم النقدي، خاصة في الدول التي تعاني من تقلبات اقتصادية أو ارتفاعات متسارعة في الأسعار. فغياب الرقابة على الأسواق قد يؤدي إلى تآكل قيمة الدعم النقدي بمرور الوقت، ما يتطلب وجود سياسات اقتصادية متوازنة تحافظ على القوة الشرائية للمواطنين.
مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي والتضخم
ورغم المزايا التي يتحدث عنها مؤيدو الدعم النقدي، لا تزال هناك مخاوف لدى بعض الخبراء بشأن تأثير التحول الكامل على الأمن الغذائي، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي تؤثر على أسعار السلع الأساسية وسلاسل الإمداد الدولية.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن برامج الدعم العيني لا تقتصر فقط على توفير الغذاء للمواطنين، بل تلعب أدوارًا استراتيجية أخرى، من بينها دعم المزارعين المحليين، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وتقليل تأثير تقلبات الأسعار العالمية على الأسواق الداخلية.
كما أن بعض الدول التي طبقت الدعم النقدي واجهت تحديات تتعلق بـ ارتفاع معدلات التضخم، حيث أصبحت قيمة المبالغ المقدمة غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية بعد فترة قصيرة من تطبيق النظام، وهو ما دفع حكومات عديدة إلى إعادة تقييم التجربة أو الدمج بين النظامين النقدي والعيني.
ويرى خبراء الاقتصاد أن نجاح التجربة المصرية سيتوقف على قدرة الحكومة على وضع آليات مرنة لتحديث قيمة الدعم بصورة دورية، وربطها بمعدلات التضخم والأسعار، بما يضمن الحفاظ على مستوى معيشة الأسر المستحقة وعدم تراجع قدرتها الشرائية.

الحكومة تدرس تطبيقًا تدريجيًا ومتوازنًا
في هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة لا تزال تدرس جميع السيناريوهات الخاصة بتنفيذ منظومة الدعم النقدي، تمهيدًا للإعلان عن التفاصيل النهائية خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على حقوق المواطنين وضمان عدم تأثر الفئات الأكثر احتياجًا بأي تغييرات اقتصادية.
وتتجه التقديرات إلى أن الحكومة قد تعتمد نموذجًا يجمع بين الدعم النقدي والدعم العيني في المرحلة الأولى، بحيث يتم الحفاظ على بعض صور الدعم الاستراتيجي للسلع الأساسية، بالتوازي مع تقديم دعم نقدي مباشر للأسر المستحقة.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوة يتطلب تطوير قواعد بيانات المستفيدين، وتعزيز أنظمة الشمول المالي، وضمان وصول الدعم إلى المواطنين بسهولة وشفافية، خاصة في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا.
ومع اقتراب الحكومة من إعلان التفاصيل النهائية، يظل ملف الدعم النقدي واحدًا من أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية أهمية، نظرًا لتأثيره المباشر على ملايين الأسر المصرية، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه خطة الإصلاح الجديدة خلال الفترة المقبلة.
