رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

عمرو عامر يكتب: عن فوضى شركات التمويل المالي وتهديد الاقتصاد ومخاوف عز العرب

السبت 16/مايو/2026 - 08:32 م
الكاتب الصحفي عمرو
الكاتب الصحفي عمرو عامر

إغراءات مالية وعروض غير واقعىة يقابله شره كبير في الاقتراض دون حساب المخاطر .. والنتيجة تعثر وحجوزات وزنزانة وخراب بيوت.. هذا ياختصار شديد واقع أغلب شركات التمويل المالي غير المصرفي مع عملائها، واقعا استدعى الحديث عنه باستفاضة لتقويمه ووضع حد لفوضى تلك الشركات والتي باتت خطرا على الأمن المجتمعي مع ازدياد ضحاياها خاصة في المناطق الريفية الذي يقعون فريسة سهلة في فخ الوعود المزيفة.

يمكن القول بدون شك أن سوق التمويل غير المصرفي وتطبيقات التمويل الاستهلاكي شهد طفرة هائلة في السنوات الأخيرة إذ تحول التقسيط بـ «ضغطة زر» إلى ملاذ يومي للملايين لمواجهة الضغوط المعيشية والتضخم، وهو واقع لايمكن إنكاره لكن خلف هذا البريق التمويلي السريع تلوح في الأفق نذر أزمة ائتمانية واجتماعية حقيقية وعميقة.

ولعل التصريحات الأخيرة للمصرفي القدير هشام عز العرب أتت في وقتها لتطلق جرس إنذار مدوٍ، حين حذر من أن التوسع غير المنضبط لبعض هذه الشركات، وتفاوت الرقابة عليها مقارنة بالبنوك التقليدية، قد يؤدي إلى «فقاعة ائتمانية» ترتد آثارها الكارثية على الأفراد والاقتصاد ككل، مشبهاً الوضع بأزمة الرهن العقاري العالمية (السبرايم) عام 2008، حيث يمكن لـ «شرارة صغيرة» في قطاع موازٍ غير منضبط أن تهز النظام المالي بأكمله.

​ممارسات غير منضبطة.. غياب الحوكمة الائتمانية

​تكمن الجاذبية الكبرى لشركات التمويل غير المصرفي في سرعة اتخاذ القرار وسهولة الإجراءات، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية تتفوق بها على صرامة والقواعد السليمة للاقتراض المعمول بها في القطاع المصرفي الرسمي، لكن هشام عز العرب وضع إصبعه على الجرح التنظيمي، مشيراً إلى عدة خروقات جوهرية تقوم بها بعض هذه الشركات على رأسها ​تجاوز الاستعلام الائتماني الموحد (I-Score) بعدما كشف عز العرب أن بعض الشركات تمنح قروضاً وتسهيلات بمبالغ ضخمة اعتماداً فقط على بطاقة الرقم القومي ورقم الهاتف، ودون فحص دقيق للتاريخ الائتماني للعميل أو التحقق من حجم التزاماته الأخرى لدى جهات ثانية.

بخلاف ذلك تقدم تلك الشركات باقة من ​إغراء العمولات ومصيدة التسويق حيث يعتمد النظام البيعي في كثير منها على منح «مندوبي التسويق» عمولات مباشرة مقابل بيع القروض وجذب أكبر عدد من المقترضين، هذا الأسلوب يدفع المندوبين إلى الضغط على المواطنين وإقناعهم بالاقتراض دون أدنى مراعاة لقدرتهم الفعلية على السداد بجانب إخفاء العواقب وتبعات التعثر على العميل.

أيضا في الوقت الذي تخضع فيه البنوك لرقابة صارمة ومشددة من البنك المركزي (تشمل نسب السيولة، وكفاية رأس المال، والاحتياطيات)، فإن بعض الكيانات في قطاع التمويل الموازي (الذي يقترب من 2500 شركة وصندوق) تعاني من تفاوت في مستويات الرقابة، مما يخلق بيئة خصبة للعشوائية.

 

فخ التعثر

​أظهرت الوقائع أن غياب القواعد الائتمانية السليمة لا يضر بالشركات وحدها، بل يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي يجد نفسه محاصراً في «دائرة ديون مفرغة» حين تتحول التسهيلات اللحظية سريعاً إلى كوابيس معيشية وقانونية عند حدوث التعثر، مايخلف ضغوطا مادية ونفسية قاسية عندما يعجز المقترض عن السداد، تلجأ بعض الشركات إلى أساليب ضغط عنيفة، تشمل التهديد المستمر، والإبلاغ في جهات العمل، وتشويه السمعة الائتمانية للعميل ( التجريس)، وهي شكاوى ووقائع رصدنا منها مئات ومئات في مواقعنا الإخبارية وكنا سباقين في التحذير منها.

​التجريد من الممتلكات الشخصية خطر داهم أخر ساقه هشام عز العرب نموذجاً صارخاً وواقعياً لسائق (من محافظة بورسعيد) تم إغراؤه ومنحه قرضاً بقيمة 400 ألف جنيه دون استعلام ائتماني سليم، وعندما تعثر في السداد تحت وطأة الفوائد والالتزام، اضطر تحت الضغط إلى بيع كل ما يملك، بما في ذلك أثاث منزله والسيارة التي كانت تمثل مصدر رزقه الوحيد.

بدون شك فإن التوسع المفرط في هذه القروض الاستهلاكية المرتفعة التكلفة (الفوائد) يلتهم الدخول الحقيقية للمواطنين، ويؤدي إلى خفض معدلات الادخار القومي، مما يعمق الأزمة الاقتصادية الشخصية للأسر على المدى الطويل.


ولسد باب الشبهة فإن ​تحذيرنا من خطر هذه الشركات ليس دعوة لتعطيل نشاطها، بل هو دعوة لحماية الاستقرار المالي، فالقطاع نجح بالفعل في الوصول لشرائح مجتمعية لا تصل إليها البنوك، ولكن الاستمرار بدون ضوابط يهدد الجميع؛ إذ إن «تعثر شركة صغيرة غير ملتزمة قد يجر الباقين ويفجر فقاعة مالية».


خلاصة القول ​فإن التمويل وجد ليكون أداة تيسير وتنمية، لا وسيلة لإثقال كاهل المواطن بالديون وتجريده من ممتلكاته وفضحه على الملأ وسط أبناءه وأسرته وجيرانه وزملاءه في العمل وتصريحات هشام عز العرب تعيد صياغة الأولويات فالسوق اليوم بحاجة ماسة إلى «وقفة التقاط أنفاس» لإعادة تنظيم منظومة التمويل غير المصرفي، وتطبيق رقابة حازمة تحمي المقترض البسيط من فخ التعثر، وتحصن الاقتصاد الكلي من هزات عنيفة قد تبدأ بشرارة صغيرة من شركة تمويل مجهولة.