المرابحة والمضاربة.. أسرار الاستثمار الحلال في عالم المال

في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو الاقتصاد الإسلامي، أصبحت مفاهيم مثل "المرابحة" و"المضاربة" و"الاستثمارات الحلال" محط اهتمام الكثيرين، سواء من الأفراد أو المؤسسات المالية.
وهذه المصطلحات ليست مجرد أدوات مالية، بل تعكس فلسفة اقتصادية عميقة ترتكز على مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا وتشجع على العدالة والشراكة في التداول المالي.
وفي هذا التقرير، من بانكير، نستعرض تعريف هذه المفاهيم، آليات عملها، ودورها في تعزيز الاستثمار الحلال.
المرابحة: البيع بربح معلوم
تعد المرابحة من أبرز صيغ التمويل في البنوك الإسلامية، وهي عقد بيع يقوم فيه البنك أو المؤسسة المالية بشراء سلعة بناءً على طلب العميل، ثم إعادة بيعها له بثمن أعلى يشمل هامش ربح متفق عليه مسبقًا.
على سبيل المثال، إذا أراد شخص شراء سيارة بقيمة 100 ألف جنيه، يقوم البنك بشرائها من السوق، ثم يبيعها للعميل بـ110 آلاف جنيه، تدفع على أقساط محددة، وهذا الفرق (10 آلاف جنيه) هو الربح وليس فائدة، لأن المرابحة تعتمد على بيع سلعة ملموسة وليس على إقراض نقود.
وتتميز المرابحة بسهولة تطبيقها وانخفاض مخاطرها مقارنة بصيغ أخرى، مما جعلها تشكل نحو 90% من استثمارات البنوك الإسلامية، وفقًا لدراسات حديثة.
ومع ذلك، يشترط فيها أن يمتلك البنك السلعة فعليًا قبل بيعها، وأن يكون الربح والتكلفة معلومين للطرفين، لتجنب أي غموض أو شبهة ربا، وهذه الشروط تجعل المرابحة أداة فعالة لتلبية احتياجات الأفراد والشركات في شراء العقارات، السيارات، أو حتى المعدات الصناعية.

المضاربة: شراكة بين المال والعمل
أما المضاربة فهي عقد شراكة يقدم فيه طرف (رب المال) رأس المال، بينما يتولى الطرف الآخر (المضارب) العمل والإدارة، على أن يتقاسم الطرفان الأرباح بنسب متفق عليها مسبقًا.
على سبيل المثال، قد يقدم بنك إسلامي مليون جنيه لشخص لتأسيس مشروع تجاري، بشرط أن يحصل البنك على 40% من الأرباح، بينما يأخذ المضارب 60% مقابل جهده، وإذا تحققت خسارة، يتحملها رب المال (البنك) ما لم يثبت تقصير المضارب.
وتنقسم المضاربة إلى نوعين، "مطلقة" تمنح المضارب حرية التصرف دون قيود، و"مقيدة" يحدد فيها رب المال شروطًا كالمكان أو نوع العمل.
وتعد المضاربة من أقدم صيغ التمويل الإسلامي، حيث كانت شائعة في الجاهلية وأقرها الإسلام، كما في تجارة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مع السيدة خديجة.
وفي الوقت الحاضر، تستخدم المصارف الإسلامية المضاربة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يعزز التنمية الاقتصادية ويوفر فرص عمل.
الاستثمارات الحلال: البحث عن الربح المشروع
والاستثمارات الحلال تشمل أي نشاط مالي يتوافق مع الشريعة الإسلامية، بعيدًا عن القطاعات المحرمة كالخمور، المخدرات، القمار، أو الربا، وتشمل هذه الاستثمارات المرابحة والمضاربة، إلى جانب صيغ أخرى كالمشاركة (شراكة في رأس المال والعمل)، والإجارة (التأجير المنتهي بالتمليك)، والاستصناع (تمويل تصنيع سلعة).
والهدف الأساسي هو تحقيق الربح بطرق مشروعة، مع ضمان توزيع عادل للمخاطر والمكاسب بين الأطراف.
في السياق العالمي، تشير تقارير حديثة إلى أن سوق الاستثمارات الحلال تجاوزت قيمة 3 تريليونات دولار في 2024، مدفوعةً بزيادة الطلب على المنتجات المالية الإسلامية في دول الخليج وجنوب شرق آسيا.
وتتعدد أشكال هذه الاستثمارات، من الصكوك (السندات الإسلامية) إلى صناديق الاستثمار التي تركز على القطاعات الحلال كالزراعة، التكنولوجيا، والطاقة المتجددة.
الفروق والتكامل بين المفاهيم
بينما تركز المرابحة على البيع بربح محدد مسبقًا مع مخاطر منخفضة، تعتمد المضاربة على الشراكة في الربح والخسارة، مما يجعلها أكثر مخاطرة لكنها تحفز على الإبداع والمبادرة، أما الاستثمارات الحلال فهي مظلة واسعة تضم الاثنين مع صيغ أخرى، بهدف ضمان الامتثال للشريعة.
ويؤكد خبراء الاقتصاد الإسلامي أن هذه الأدوات تتكامل لتلبية احتياجات السوق، حيث توفر المرابحة الاستقرار، والمضاربة تدعم ريادة الأعمال، والاستثمارات الحلال تضمن الشمولية.
ومع نمو الوعي بأهمية الاقتصاد الإسلامي، تظل المرابحة والمضاربة والاستثمارات الحلال ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وسواء كنت مستثمرًا تبحث عن الربح المشروع، أو عميلًا يسعى لتلبية احتياجاته بطريقة حلال، فإن هذه الأدوات تقدم حلولًا مبتكرة تجمع بين الدين والدنيا.