الفيدرالي الأمريكي
غدًا.. الفيدرالي الأمريكي يحسم مصير أسعار الفائدة وسط انقسام التوقعات
تتجه أنظار الأسواق العالمية، غدًا الأربعاء، إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يعقد يومي 15 و16 سبتمبر، لحسم مصير أسعار الفائدة، وسط انقسام في التوقعات بين اتجاه يرجح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وآخر يرى أن تثبيتها قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة في ظل طبيعة الضغوط التضخمية الحالية.
ويأتي الاجتماع في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط والطاقة، ما يزيد من تعقيد مهمة صناع السياسة النقدية، خصوصًا في ظل اختلاف تقديرات الأسواق عن توقعات عدد من الاقتصاديين بشأن القرار المرتقب.
توقعات برفع الفائدة
وقال خبراء اقتصاديون، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، إن الأسواق تسعّر احتمالات مرتفعة لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع سبتمبر، مشيرين إلى أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع الفيدرالي إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية.
وأوضح أحد المصادر أن بعض تقديرات السوق تضع احتمالات رفع الفائدة عند مستويات تتجاوز 80%، بينما تصل تقديرات أخرى إلى نحو 95%، في ظل استمرار المخاوف بشأن التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.
وأضاف أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يعزز مخاوف الفيدرالي من أن السياسة النقدية الحالية لم تحقق التراجع المطلوب في معدلات التضخم، وهو ما قد يدفعه إلى اتخاذ خطوة إضافية لتشديد الأوضاع المالية.
وفي الاتجاه نفسه، توقعت مؤسسات مالية عالمية، من بينها جولدمان ساكس وجيه بي مورجان وإتش إس بي سي ودويتشه بنك، رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع سبتمبر، مع ترجيح بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بهدف إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.
ارتفاع النفط يزيد الضغوط التضخمية
ويأتي اجتماع الفيدرالي الأمريكي في ظل ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، بما قد يضيف ضغوطًا جديدة إلى معدلات التضخم، خاصة مع انعكاس أسعار الطاقة على تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات.
وبحسب بيانات السوق المشار إليها، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت خلال تعاملات اليوم بنحو 2.5 دولار، بما يعادل 2.37%، لتصل إلى 108.18 دولار للبرميل.
وقال مصدر اقتصادي إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، إلى جانب صعود أسعار الديزل في الولايات المتحدة، يمثل أحد العوامل التي قد تزيد من صعوبة مهمة الفيدرالي في السيطرة على التضخم.
وأشار إلى أن البيانات الأخيرة لا تزال تعكس استمرار الضغوط السعرية، إذ سجل مؤشر أسعار المستهلكين 3.4%، بينما تجاوز مؤشر أسعار المنتجين 5%، وفق البيانات المتداولة.
استطلاع بلومبرج يرجح تثبيت الفائدة
في المقابل، لا تتطابق توقعات الأسواق بشكل كامل مع تقديرات الاقتصاديين.
وبحسب استطلاع أجرته وكالة بلومبرج خلال الفترة من 4 إلى 9 سبتمبر، بمشاركة 48 اقتصاديًا، ترجح غالبية المشاركين أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر، مع استمرار تثبيتها حتى نهاية عام 2027.
وأظهر الاستطلاع أن 13 اقتصاديًا فقط توقعوا رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين توقعات الأسواق المالية ورؤية عدد كبير من الاقتصاديين لمسار السياسة النقدية.
ويرى اقتصاديون أن تراجع التضخم تدريجيًا، إلى جانب اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، قد يشجع صناع السياسة النقدية على التريث وعدم إجراء تغيير جديد في أسعار الفائدة خلال اجتماعي سبتمبر وأكتوبر.
"صدمة العرض" تعقّد مهمة الفيدرالي
ويرى مصدر اقتصادي أن تثبيت أسعار الفائدة قد يكون الخيار الأنسب في المرحلة الحالية، موضحًا أن جزءًا مهمًا من الضغوط التضخمية الحالية ناتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، وليس عن زيادة قوية في الطلب الاستهلاكي.
وأوضح أن هذا النوع من التضخم يُعرف اقتصاديًا بـ"صدمة العرض"، وهي حالة لا تكون فيها أسعار الفائدة الأداة الأكثر فاعلية لمعالجة السبب المباشر لارتفاع الأسعار.
وأضاف أن رفع الفائدة يكون أكثر فاعلية عندما يكون التضخم ناتجًا عن زيادة الطلب، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى تقليص الإنفاق والاستهلاك والاستثمار، ومن ثم تخفيف الضغوط على الأسعار.
أما في حالة ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة تكاليف الطاقة والإنتاج، فإن رفع الفائدة قد يحد من الطلب، لكنه لا يعالج بالضرورة مصدر المشكلة الأساسي، بحسب المصدر.
أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية
وأشار المصدر إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد أبرز مصادر الضغوط التضخمية الحالية، معتبرًا أن معالجة هذا النوع من التضخم تتطلب التعامل مع العوامل التي تقف وراء ارتفاع أسعار الطاقة، وفي مقدمتها التوترات الجيوسياسية واضطرابات أسواق النفط.
وأضاف أن استخدام رفع أسعار الفائدة لمعالجة ارتفاع أسعار النفط قد تكون فعاليته محدودة، لأن السياسة النقدية لا تستطيع بصورة مباشرة زيادة المعروض من الخام أو خفض تكاليف إنتاج الطاقة.
مخاوف من ارتفاع عوائد السندات
ولفت المصدر إلى عامل آخر قد يؤثر في قرار الفيدرالي، يتمثل في انعكاس رفع أسعار الفائدة على عوائد السندات الأمريكية وتكاليف الاقتراض الحكومية.
وأوضح أن رفع الفائدة قد يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، في الوقت الذي تستهدف فيه وزارة الخزانة الأمريكية خفض تكاليف الاقتراض، وهو ما قد يخلق تباينًا بين أهداف السياسة النقدية والمالية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يواجه الفيدرالي معادلة صعبة بين ضرورة مواصلة مكافحة التضخم، من جهة، ومخاطر تشديد السياسة النقدية في وقت قد تكون فيه الضغوط السعرية مدفوعة جزئيًا بعوامل خارجية تتعلق بالطاقة وتكاليف الإنتاج، من جهة أخرى.
وتترقب الأسواق قرار الاجتماع وما سيصدر عنه من إشارات بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة، إذ قد تكون له تداعيات مباشرة على الدولار وعوائد السندات والأسواق العالمية، فضلًا عن توقعات النمو والتضخم خلال الفترة المقبلة.


