أوروبا تواجه فخ الغاز.. الواردات قد تتجاوز 98% بحلول 2050
تواجه أوروبا مفارقة كبيرة في ملف الطاقة، فبينما تسعى إلى تقليص مخاطر الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي والغاز المسال من الخارج، قد تجد نفسها بحلول عام 2050 أكثر اعتمادًا على الواردات إذا لم تبدأ خلال السنوات المقبلة باستثمارات جديدة في حقولها المحلية، إذ ترى شركة وود ماكنزي أن الاتحاد الأوروبي قد يستورد أكثر من 98% من احتياجاته من الغاز بحلول 2050 في حال عدم تنفيذ استثمارات جديدة في أنشطة المنبع.
وتقترب الفجوة التراكمية بين السيناريو الأدنى والأعلى للإنتاج المحلي من تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه قرارات الحكومات وشركات الطاقة خلال السنوات المقبلة على مستقبل أمن الطاقة في أوروبا.
قرارات السنوات الخمس المقبلة تحسم مستقبل أوروبا
تقول وود ماكنزي إن الفجوة لا تتوقف عند حجم الغاز الذي يمكن إنتاجه محليًا، إذ إن الخيارات التي ستتخذها الحكومات وشركات الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة ستحدد إلى حد كبير مقدار اعتماد أوروبا على سوق الغاز العالمية، والغاز الطبيعي المسال تحديدًا.
وتأتي هذه التوقعات في ظل تقديرات منتدى الطاقة الدولي بارتفاع تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية إلى 800 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2031، مقارنة بنحو 600 مليار متر مكعب في 2026، ما يعني إضافة نحو 200 مليار متر مكعب سنويًا إلى السوق خلال خمس سنوات.
85% من الغاز الأوروبي يأتي من الخارج
تقول شركة وود ماكنزي إن الاتحاد الأوروبي يستورد حاليًا نحو 85% من الغاز الذي يستهلكه، وتظل هذه النسبة مستقرة على نطاق واسع حتى أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا مع تقدم العقد المقبل.
ومن المتوقع أن تتراجع إمدادات النرويج عن مستويات استقرار الإنتاج خلال ثلاثينيات القرن الحالي، في الوقت الذي تواجه فيه إمدادات شمال إفريقيا ضغوطًا متزايدة من الطلب المحلي.
ومع التخلص التدريجي من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، يصبح الغاز الطبيعي المسال الأداة الرئيسية لسد الفجوة المتزايدة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك في أوروبا.
وتتوقع وود ماكنزي ارتفاع حصة الغاز الطبيعي المسال من إمدادات الاتحاد الأوروبي من نحو 40% حاليًا إلى 63% بحلول 2050، على أن تأتي نحو 77% من هذه الإمدادات من الولايات المتحدة.
3 سيناريوهات تحدد إنتاج الغاز في أوروبا
وضعت شركة وود ماكنزي ثلاثة سيناريوهات لإنتاج الغاز المحلي في الدول الأعضاء التي تمتلك قطاعات مهمة في أنشطة المنبع.
وفي السيناريو المنخفض، الذي يفترض عدم إجراء استثمارات جديدة في الحقول، ينخفض الإنتاج من 43 مليار متر مكعب في 2028 إلى ملياري متر مكعب فقط بحلول 2050، ويعوض الغاز الطبيعي المسال الجزء الأكبر من الفجوة.
أما السيناريو المتوسط، فيعكس استمرار مستويات السياسات والاستثمارات الحالية، ويبقي الإنتاج قريبًا من 40 مليار متر مكعب حتى 2038.
ويضيف هذا السيناريو نحو 330 مليار متر مكعب من الإنتاج مقارنة بالسيناريو المنخفض، بزيادة تبلغ نحو 70%، لكنه يظل غير كافٍ لتغيير المعادلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، إذ لا يغطي الغاز المحلي أكثر من 17% من الطلب خلال الفترة.
77 مليار متر مكعب يمكن أن تغير المعادلة
ترى وود ماكنزي أن السيناريو المرتفع يمكن أن يغير وضع أوروبا بشكل ملموس، إذ يتضمن وصول الإنتاج المحلي في القارة إلى 77 مليار متر مكعب بحلول 2042، بما يغطي نحو 38% من الطلب.
ويصل الإنتاج التراكمي في هذا السيناريو إلى نحو 1400 مليار متر مكعب، بما يعادل إحلال ما يصل إلى 615 شحنة من الغاز الطبيعي المسال سنويًا مقارنة بالسيناريو المنخفض.
وقال لويس لورانس، كبير محللي أبحاث أنشطة المنبع في أوروبا لدى وود ماكنزي، إن السيناريو المتوسط هو المستوى الذي تستقر عنده التوقعات غالبًا، لكنه لا يغير كثيرًا من الوضع الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية يتطلب استثمارات ضخمة لمجرد البقاء عند المستوى نفسه، فيما يتمثل السؤال الحقيقي في مدى استعداد الحكومات لتهيئة الظروف التي تجعل السيناريو المرتفع ممكنًا، لأن «النافذة تضيق».
الغاز المحلي أكثر تنافسية
تشير تقديرات وود ماكنزي إلى أن تكلفة الغاز الطبيعي المسال الأمريكي عند تسليمه إلى شمال غرب أوروبا تزيد بنحو 68% على تكلفة غاز حقل Neptun Deep، وبنسبة 96% على تكلفة الغاز النرويجي الجديد.
وتعني هذه الفجوة السعرية أن تطوير بعض الموارد المحلية الأوروبية لا يمكن النظر إليه باعتباره خيارًا مرتبطًا بأمن الطاقة فقط، بل يمكن أن يكون أيضًا أكثر تنافسية من بعض الإمدادات المستوردة.
ويضيف ذلك بُعدًا اقتصاديًا إلى حسابات أوروبا بشأن مستقبل إنتاج الغاز المحلي، في وقت تتزايد فيه أهمية تكلفة الطاقة بالنسبة إلى الصناعة والمستهلكين.
200 مليار متر مكعب إضافية في سوق الغاز المسال
في الوقت الذي تبحث فيه أوروبا عن مزيد من الغاز المحلي، تتجه السوق العالمية نفسها إلى زيادة كبيرة في تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ويتوقع منتدى الطاقة الدولي ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال إلى 800 مليار متر مكعب سنويًا في 2031، من نحو 600 مليار متر مكعب في 2026، بزيادة تبلغ نحو 200 مليار متر مكعب سنويًا خلال خمس سنوات.
وستأتي أكبر زيادة في صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات الخمس المقبلة من الولايات المتحدة، التي يتوقع أن تحافظ على موقعها كأكبر مورد عالمي.
وبذلك، تواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة معادلة معقدة بين الاستثمار في إنتاج الغاز المحلي والاعتماد المتزايد على السوق العالمية، في وقت قد تحدد فيه قرارات السنوات الخمس المقبلة مدى قدرتها على تقليص مخاطر الواردات أو الدخول في مرحلة جديدة من الاعتماد على الغاز المستورد.
