الأحد 13 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

الصيدليات خارج خريطة الاستثمار.. هل تعيدها الاندماجات إلى البورصة؟

الأحد 13/سبتمبر/2026 - 02:59 م
الصيدليات خارج خريطة
الصيدليات خارج خريطة الاستثمار

يواجه قطاع الصيدليات في مصر معادلة اقتصادية صعبة؛ فبينما يظل النشاط مرتبطًا بسلعة استراتيجية لا يتوقف الطلب عليها، تتزايد الضغوط التشغيلية وتتآكل رؤوس أموال الصيدليات، في وقت لم تنجح فيه سلاسل الصيدليات حتى الآن في تحويل توسعاتها إلى طروحات فعلية في البورصة المصرية.

وتكشف بيانات الشعبة العامة للصيدليات باتحاد الغرف التجارية عن خروج أكثر من 6 آلاف صيدلية من السوق، ليتراجع عدد الصيدليات العاملة إلى نحو 72 ألف صيدلية بنهاية عام 2025. 

ويأتي هذا التراجع في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل بأكثر من 400%، مقابل ثبات هوامش الربحية لفترات طويلة، وهو ما يضع الصيدليات الفردية، التي تمثل ما بين 75% و80% من إجمالي عدد الصيدليات، أمام ضغوط متزايدة للاستمرار.

ارتفاع التكلفة يضغط على رأس المال

يرى حاتم البدوي، الأمين العام للشعبة العامة للصيدليات باتحاد الغرف التجارية، أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والغاز والمياه والرواتب والتأمينات الاجتماعية والشرائح الضريبية، بالتزامن مع استمرار التسعير الجبري للأدوية، يمثل أحد أبرز أسباب تراجع جاذبية النشاط.

وتشير دراسة أجرتها الشعبة العامة للصيدليات إلى تآكل رؤوس أموال الصيدليات بنسبة 69%، نتيجة عوامل من بينها استمرار العمل بقرار بيع الأدوية بأكثر من سعر، إلى جانب ارتفاع تكلفة إعادة شراء الأصناف الدوائية.

وتزداد الضغوط مع تحمل الصيدليات تكلفة الأدوية منتهية الصلاحية وصعوبة إرجاعها إلى الشركات، فضلًا عن ارتفاع الإيجارات والرواتب والمرافق. 

وفي المقابل، ظلت هوامش ربح الصيدليات ثابتة لأكثر من 30 عامًا، بحسب البدوي، الذي يؤكد أن هامش الربح تحصل عليه الصيدلية من شركات الأدوية وليس من المريض.

وتكشف هذه المعادلة عن فجوة بين نمو النفقات وثبات العائد، بما يجعل استمرار الصيدليات الفردية أكثر صعوبة، ويدفع القطاع تدريجيًا نحو البحث عن نماذج جديدة للتوسع والاستثمار.

هل تستطيع البورصة إنقاذ القطاع؟

رغم وجود سلاسل كبيرة في سوق الصيدليات، فإن القطاع لم يتمكن حتى الآن من تقديم نموذج واضح لطرح سلسلة صيدليات في البورصة المصرية.

 ويبدو أن المشكلة لا تتعلق بضعف الطلب على الدواء بقدر ارتباطها بتفتت السوق وصغر حجم عدد كبير من الكيانات، فضلًا عن تحديات الحوكمة والهيكل الإداري والقدرة على تحقيق معدلات نمو وربحية مستدامة.

ويرى مصطفى الكردي، مدير مجموعة بشركة العربي الأفريقي لتداول الأوراق المالية، أن الطريق إلى البورصة يمر أولًا عبر تكوين كيانات كبيرة وناجحة تستوفي متطلبات القيد، وتتمتع بأداء مالي قوي خلال آخر عامين.

وفي هذا السياق، قد تبدو عمليات الدمج والاستحواذ بين الكيانات الصغيرة خيارًا أكثر واقعية من الطرح المباشر، إذ تسمح بتجميع النشاط في كيانات أكبر تستطيع تحقيق وفورات الحجم، وتعزيز الحوكمة، ورفع قدرتها على جذب المستثمرين.

ويقدم قطاع توزيع الأدوية نموذجًا قائمًا بالفعل من خلال شركة «ابن سينا فارما»، المدرجة في البورصة، بينما لم تتحول أنباء سابقة عن توجه بعض سلاسل الصيدليات، ومنها «العزبي»، إلى طروحات فعلية حتى الآن.

حجم السلسلة شرط أساسي للطرح

يرى شريف المصري، رئيس مجلس إدارة شركة «ابدأ» لتوزيع الأدوية، أن تفتت القطاع يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء محدودية فرص الطرح، مشيرًا إلى أن سلاسل الصيدليات تحتاج إلى الوصول إلى حجم يتراوح بين 500 و600 فرع تقريبًا حتى يصبح الطرح أكثر جدوى من الناحية الاستثمارية.

ويعني ذلك أن النمو التقليدي عبر افتتاح فروع جديدة قد لا يكون كافيًا وحده، إذ تحتاج السلاسل إلى بناء كيانات تتمتع بحجم مناسب وهيكل إداري قوي ونظم حوكمة قادرة على تلبية متطلبات سوق المال.

كما يمكن لدخول مستثمر استراتيجي قبل الطرح أن يمثل مرحلة انتقالية مهمة، خاصة إذا كان يمتلك خبرة في قطاع الرعاية الصحية، بحيث لا يقتصر دوره على توفير التمويل، وإنما يساهم في تطوير النشاط وتعزيز الانتشار ورفع كفاءة الإدارة.

الربحية تواجه اختبار تكاليف التشغيل

ولا تقتصر التحديات على الصيدليات، إذ تواجه شركات توزيع الأدوية بدورها ضغوطًا بسبب ثبات هامش الربح مقابل الارتفاع المستمر في تكاليف التشغيل.

وبحسب شريف المصري، فإن هامش الربح البالغ نحو 8% يتم استهلاكه بدرجة كبيرة في تكاليف التشغيل، لتتراوح مستويات صافي الربح في أفضل شركات التوزيع بين 1% و1.5% فقط، وهي مستويات تجعل الاعتماد على التمويل البنكي لتمويل التوسعات أكثر صعوبة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الفائدة.

ومن هنا يبرز دور المستثمر الاستراتيجي باعتباره مصدرًا لرأس المال اللازم للنمو دون تحميل الشركة أعباء فوائد التمويل، وهو ما قد يمهد في مرحلة لاحقة لطرح الكيان في البورصة.

الاستثمار يحتاج إلى 200 مليون جنيه

على الجانب الآخر، ترى فريدة خالد طمان، العضو المنتدب لشركة «فرونتير للتدريب والاستشارات»، أن تطوير سلاسل الصيدليات القائمة يحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 100 و200 مليون جنيه.

ويمنح الاستحواذ على سلسلة قائمة المستثمر ميزة الاستفادة من قاعدة العملاء والمواقع وشبكات التوزيع والعلامة التجارية، مقارنة بتكلفة تأسيس نشاط جديد من الصفر.

وتشير طمان إلى أن الصيدليات تنتمي إلى القطاعات الدفاعية التي يحافظ فيها الطلب على مستويات نسبية من الاستقرار حتى خلال الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، وهو ما يمنح النشاط جاذبية محتملة لصناديق الاستثمار الراغبة في تنويع محافظها.

لكن هذه الجاذبية تصطدم بتحديات تتعلق بالحوكمة والتكنولوجيا ورأس المال العامل ودورة التحويل النقدي، فضلًا عن تأثير التسعير الجبري لغالبية الأدوية على التدفقات النقدية وهوامش الربحية.

التشريعات.. عقبة أمام التوسع المؤسسي

وتبرز التشريعات كأحد الملفات الرئيسية التي تحد من قدرة سلاسل الصيدليات على التوسع وجذب الاستثمارات المؤسسية، في ظل ارتباط تراخيص الصيدليات بالصيدلي ووجود حدود لعدد الصيدليات التي يمكنه ترخيصها.

وترى طمان أن الفصل بين ترخيص المنشأة وترخيص الصيدلي، بالتوازي مع تعزيز قواعد الحوكمة والإفصاح، يمكن أن يفتح المجال أمام توسع مؤسسي أكبر ويخفض المخاطر التشغيلية.

لكن إعادة رسم نموذج الاستثمار في القطاع لا تتوقف عند التشريعات، إذ تحتاج الصيدليات أيضًا إلى تطوير نماذج أعمال تعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل وإدارة البيانات.

من الفروع إلى نموذج صحي متكامل

المنافسة لم تعد تدور فقط حول عدد الفروع والمواقع، إذ تتجه طبيعة النشاط نحو نموذج يجمع بين الصيدلية التقليدية والخدمات الرقمية والتوصيل وإدارة المخزون والبيانات.

كما أدى توسع منافذ أخرى، مثل السوبر ماركت، في بيع مستحضرات التجميل والمكملات الغذائية إلى تقليص قدرة الصيدليات على الاعتماد على هذه المنتجات لتعويض جانب من ضغوط بيع الأدوية.

وفي المقابل، يظل حجم سوق توزيع الأدوية في مصر، الذي يقدره شريف المصري بنحو 7 مليارات دولار سنويًا، عامل جذب مهمًا للاستثمارات طويلة الأجل.

وبذلك، تبدو عودة الصيدليات إلى خريطة الاستثمار والبورصة ممكنة، لكن ليس عبر الطرح المباشر للكيانات الصغيرة والمتفرقة، وإنما من خلال إعادة هيكلة القطاع وتكوين كيانات أكبر عبر الدمج والاستحواذ، وتحسين الحوكمة، وضخ استثمارات في التكنولوجيا، مع معالجة التحديات التنظيمية والربحية التي تضغط على النشاط.

ويبقى التحدي الرئيسي أمام القطاع هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الصيدليات الفردية التي تمثل الجزء الأكبر من السوق، وفتح الباب أمام استثمارات مؤسسية قادرة على تمويل التوسع والتطوير، دون أن يتحول هذا التوسع إلى تركّز مفرط أو ممارسات احتكارية في سوق ترتبط بسلعة حيوية واستراتيجية.