الأحد 13 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

«بريكس» تحكم قبضتها على حركة التجارة العالمية.. كيف تستفيد مصر من صراع الكبار على الأسواق؟

الأحد 13/سبتمبر/2026 - 10:29 ص
بانكير

لم تعد مجموعة «بريكس» مجرد ملتقى سياسي أو منتدى اقتصادي تشاوري يجمع عدداً من الدول الصاعدة للتباحث في الشأن الدولي، بل تحولت عملياً وميدانياً إلى واحدة من أعتى وأقوى الكتل الاقتصادية المؤثرة في توجيه حركة التجارة العالمية برمتها. 

وجاء هذا التحول الجذري بعد أن اتسعت خريطة التكتل بشكل متسارع لتضم 11 اقتصاداً متنوعاً تتفاوت في حجم مواردها ونوعية قدراتها التصديرية؛ حيث تتوزع هذه الدول بين عمالقة التصنيع ومصادري التكنولوجيا، وأقطاب النفط والغاز، وقلاع الإنتاج الزراعي والتعديني، ليشكّل هذا التنوع مظلة اقتصادية واحدة تتكئ على ثقل سكاني وجغرافي وتجاري جبار يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية في العالم.

ومع وصول عام 2026 إلى أيامه الأخيرة، تكشف أحدث البيانات الصادرة عن الهياكل التجارية لدول التكتل عن تباين هائل وعميق في حجم الصادرات ونوعية المنتجات الموجهة للأسواق الدولية.

وتتصدر الصين المشهد التجاري بجدارة واستحقاق بفضل منظومة تصنيعية ضخمة يصعب على أي قوة أخرى منافستها أو زحزحتها عن القمة، في حين ترتكز القوة التصديرية لبقية الدول الأعضاء على قطاعات متخصصة تتنوع بين الطاقة والوقود، أو المنتجات الزراعية والحيوانية، أو الثروات المعدنية، فضلاً عن القطاعات الخدمية والتكنولوجية.

وتستند قراءة أرقام وحصيلة عام 2026 في هذا التحليل إلى البيانات الرسمية التراكمية المتاحة لكل دولة حتى شهر سبتمبر الجاري، في ظل عدم صدور الإحصاءات ختامية الكلية للعام بأكمله لجميع الأعضاء حتى الآن، وهي أرقام تعكس في مجملها حجم التحول الكبير في أوزان القوى التجارية داخل المجمع.

خريطة نفوذ تتوزع بين الصناعة والطاقة والغذاء

وتظهر القراءة التحليلية الشاملة لبيانات الصادرات التراكمية خلال عام 2026 حجماً كبيراً من التنوع والتمايز بين دول التكتل، وهو ما يمنح المجموعة قدرة عالية على تحقيق الشمول والتكامل في مختلف القطاعات الحيوية:

الصين (الهيمنة الصناعية والتكنولوجية): تواصل الصين تثبيت مكانتها كأكبر قوة تجارية وضاربة داخل تكتل «بريكس» بلا منازع؛ مدفوعة بقاعدة صناعية هي الأضخم عالمياً تغطي مجالات الإلكترونيات، الآلات، المعدات الثقيلة، والسيارات بمختلف أنواعها. 

وسجلت الصادرات الصينية خلال شهر أغسطس 2026 وحده قفزة حادة بلغت نحو 25% على أساس سنوي، بفضل الطفرة الكبيرة في صادرات المنتجات عالية التقنية التي نمت بنسبة 42.9%، مما دفع الفائض التجاري الشهري للبكين إلى مستوى قياسي قارب 119.1 مليار دولار، لتستحوذ بمفردها على حصة الأسد من إجمالي صادرات المجموعة.

البرازيل (سلة غذاء العالم وثروة المعادن): استطاعت البرازيل تسجيل أرقام تصديرية قوية بلغت نحو 250.86 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من يناير وحتى أغسطس 2026، محققة زيادة بنسبة 10.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وتعتمد القوة التصديرية البرازيلية على سلة متنوعة من السلع الاستراتيجية التي تحتاجها الأسواق العالمية بشدة، وفي مقدمتها النفط الخام، خام الحديد، فول الصويا، واللحوم، مما يرسخ دورها كأحد أهم موردي الغذاء والمواد الخام للتكتل وللعالم.

روسيا (صلابة قطاع الطاقة وتنويع الموارد): تحافظ روسيا على حضورها القوي والمحوري في سوق التجارة الدولية لـ «بريكس» عبر صادرات النفط والغاز الطبيعي والوقود والأسمدة والمعادن. 

وخلال النصف الأول من عام 2026، حققت موسكو فائضاً تجارياً بلغ نحو 65.4 مليار دولار، بالتوازي مع وصول صادراتها السلعية غير المرتبطة بالطاقة إلى قرابة 58.8 مليار دولار، وهو ما يعكس نجاحاً ملموساً في تنويع جزء من تجارتها الخارجية رغم الضغوط الدولية والتحديات الجيوسياسية.

الهند (الجمع بين المنتجات السلعية والخدمات الرقمية): تنفرد الهند عن باقي الشركاء في «بريكس» بامتلاكها قطاعاً تصديرياً ضخماً في مجال الخدمات إلى جانب صادراتها من السلع التقليدية. 

ووصلت قيمة الصادرات الهندية الشاملة خلال شهر يناير 2026 إلى نحو 80.45 مليار دولار، توزعت بين 36.56 مليار دولار للصادرات السلعية كالمنتجات الهندسية والأدوية والمنسوجات، ونحو 43.90 مليار دولار لصادرات الخدمات المتمثلة في البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات.

إندونيسيا (قوة الموارد الطبيعية والمواد الخام): حققت إندونيسيا أداءً تصديرياً لافتاً بتسجيلها نحو 115.36 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 (يناير - مايو)، بنمو سنوي بلغت نسبته 3.02%. وبلغت حصة الصادرات غير النفطية والغازية نحو 110.19 مليار دولار، معتمدة على ثرواتها الغنية من الفحم الحجري، زيت النخيل، النيكل، والمنتجات المعدنية الأساسية.

جنوب أفريقيا (عملاق التعدين وصناعة السيارات): تتركز القوة التصديرية لجنوب أفريقيا في ثرواتها التعدينية القيمة كالذهب والبلاتين وخامات الحديد والمعادن، إلى جانب صادرات السيارات والمنتجات الزراعية. 

وسجلت صادراتها في يونيو 2026 نحو 193.6 مليار راند، مقابل واردات بـ 175.8 مليار راند، لتسجل فائضاً تجارياً قدره 17.8 مليار راند.

إيران (صدارة النفط والبتروكيماويات): تشكل الصادرات النفطية ومشتقات البترول والبتروكيماويات العمود الفقري لتجارة إيران الخارجية، إلى جانب المنتجات المعدنية والزراعية. 

وتُعد السوق الصينية الوجهة الرئيسية والمركزية للصادرات الإيرانية، مما يمنح طهران منفذاً تجارياً حيوياً في ظل القيود الدولية.

الإمارات (مركز تجاري عالمي وإعادة التصدير): تقدم الإمارات نموذجاً تجارياً فريداً ومتطوراً يمزج بين الصادرات النفطية والبتروكيماوية وبين تجارة الذهب والألومنيوم وأعمال إعادة التصدير؛ حيث تمنحها بنيتها التحتية المتقدمة لموانئها ومطاراتها موقعاً محورياً للربط بين خطوط التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

السعودية (ثقل الطاقة العالمي والتنويع الاقتصادي): تفرض المملكة العربية السعودية ثقلاً استثنائياً داخل تكتل «بريكس» باعتبارها إحدى أكبر الدول المصدرة للطاقة في العالم، حيث تشكل صادرات النفط ومشتقاته والبتروكيماويات المورد الأساسي لتجارتها، بالتزامن مع تسريع خطوات رفع معدلات الصادرات غير النفطية ضمن رؤيتها الاقتصادية الشاملة.

إثيوبيا (فرص النمّو الواعدة في القطاع الزراعي): رغم حلول إثيوبيا في المرتبة الأخيرة من حيث الحجم الكلي للصادرات بين دول التكتل، إلا أنها تمتلك إمكانات زراعية وتعدينية واعدة ترتكز على البن، الذهب، الزهور، والجلود، حيث يمنحها الانضمام للتكتل فرصة ذهبية لدخول أسواق استهلاكية ضخمة وجذب الاستثمارات.

الموقع المصري في المعادلة.. أرقام متصاعدة وميزة لوجستية

وفي قلب هذه التحولات الكبرى، تتخذ مصر خطوات متسارعة وممنهجة للاستفادة من عضويتها في «بريكس»، من خلال رفع معدلات التصدير وتنويع مصادر التدفقات الدولارية والنقد الأجنبي، وتتضح معالم هذا الحضور في النقاط التالية:

قفزة الصادرات غير البترولية: بلغت قيمة الصادرات المصرية غير البترولية نحو 24.06 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026. وسجل شهر يونيو وحده إجمالي صادرات اقترب من 5 مليارات دولار، كانت حصة الصادرات غير البترولية منها نحو 4.33 مليار دولار.

معدلات قياسية في الصناعات الغذائية: حقق قطاع الصناعات الغذائية المصري طفرة استثنائية بتسجيله صادرات بقيمة 3.77 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، مما يبرز نمو القدرة التنافسية للمنتج المحلي في الأسواق الخارجية.

نمو التجارة البينية مع دول التكتل: قفز إجمالي قيمة التبادل التجاري بين مصر ودول مجموعة «بريكس» ليصل إلى 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ 29.3 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2025، بزيادة كبيرة بلغت نسبتها 25.5%.

المركز اللوجستي الاستراتيجي: لا تقتصر أهمية مصر داخل التكتل على الأرقام الصريحة للصادرات، بل تمتد لتشمل ميزتها الجغرافية الاستثنائية بوجود قناة السويس، والموانئ الحديثة، وشبكات النقل المتطورة، مما يؤهلها لإنشاء مركز لوجستي وتجاري محوري يربط حركة البضائع والتجارة البينية لـ «بريكس» بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

التكامل الاقتصادي ومستقبل التواجد المصري

وتثبت قراءة خريطة الصادرات بالأرقام أن القوة الحقيقية لتكتل «بريكس» لا تكمن في تشابه هياكل دوله الاقتصادية، بل في حالة التكامل النادرة بين ثرواتها ومواردها؛ فالصين توفر القوة التصنيعية والتكنولوجية الضاربة، وتؤمن روسيا والسعودية والإمارات وإيران احتياجات الطاقة والوقود، بينما تغطي البرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا الطلب على المواد الخام والأغذية والمعادن، وتوفر الهند الحلول البرمجية والخدمية.

وفي هذا الإطار، تتحول عضوية مصر في «بريكس» من مجرد انضمام لمزيج اقتصادي دُولي إلى فرصة عمل حقيقية لاقتطاع حصة أكبر من سوق استهلاكي ضخم يطلب المنتجات الغذائية، الأسمدة، الكيماويات، والنسيج، مما يضع الصناعة الوطنية أمام اختبار متواصل لتحويل المزايا الجغرافية والتنافسية إلى عوائد اقتصادية وموارد مالية مستدامة.