10 سنوات بعد الزيارة الأولى.. ماذا تحمل عودة شي جين بينج لمصر؟
لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر مجرد محطة دبلوماسية في جولة خارجية، بل تحمل في توقيتها وأهدافها أبعادًا اقتصادية واستراتيجية قد تضع العلاقات المصرية الصينية أمام مرحلة جديدة من الشراكة. فبعد غياب عشر سنوات عن القاهرة، يعود الرئيس الصيني إلى مصر في توقيت تتسابق فيه الدول على جذب الاستثمارات، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوسيع الأسواق، وتعزيز مواقعها على خريطة التجارة العالمية.
وتكتسب الزيارة أهمية مضاعفة مع احتفال مصر والصين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والتي جعلت من الموانئ والممرات التجارية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار أدوات رئيسية في إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية.
ومن هذه الزاوية، تطرح الزيارة سؤالًا رئيسيًا: ماذا يمكن أن تجني مصر من الشراكة مع الصين خلال المرحلة المقبلة؟ وهل تنجح القاهرة في تحويل ثقلها الجغرافي والاستراتيجي، وعلى رأسه قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، إلى فرص حقيقية لجذب مزيد من الاستثمارات الصينية، وزيادة التصنيع المحلي والصادرات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل؟
شراكة تتجاوز العلاقات التقليدية
يرى الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة تأتي في صورة «زيارة دولة»، وهو ما يعكس مستوى الأهمية التي توليها القيادة الصينية للعلاقات مع مصر.
وأوضح أن الزيارة تأتي ضمن تحرك خارجي للرئيس الصيني بدأ بمشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، قبل انتقاله إلى مصر، فيما أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن برنامج التحرك الخارجي للرئيس يمتد من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر.
ويؤكد الجوهري أن أهمية الزيارة لا ترتبط فقط بكونها الأولى للرئيس الصيني إلى القاهرة منذ عام 2016، وإنما بما طرأ خلال السنوات العشر الماضية من تغيرات واسعة في قدرات البلدين وموقعهما داخل الاقتصاد العالمي.
لماذا تمثل مصر فرصة مهمة للصين؟
خلال العقد الماضي، شهدت مصر توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية التحتية والطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة، إلى جانب تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، فضلًا عن انضمام القاهرة إلى تجمع بريكس.
وبالنسبة للصين، تمثل هذه التطورات أرضية مهمة لتوسيع حضور الشركات الصينية في السوق المصرية، ليس فقط من خلال تنفيذ المشروعات، وإنما عبر إقامة قواعد إنتاجية تستفيد من موقع مصر للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وهنا تبرز قناة السويس باعتبارها إحدى أهم أوراق القوة المصرية؛ فالموقع الجغرافي لمصر يمنحها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، وهو ما يتقاطع بصورة مباشرة مع المصالح الصينية المرتبطة بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
الصناعة والتصدير.. المكسب الأكبر لمصر
ومن أبرز المكاسب التي يمكن أن تستهدفها القاهرة من الزيارة جذب استثمارات صينية جديدة في القطاعات الصناعية والإنتاجية، بما يدعم توجه الدولة نحو زيادة التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، بالتوازي مع رفع القدرة التصديرية.
ولا تقتصر أهمية الاستثمارات الصينية المحتملة على توفير التمويل، وإنما تمتد إلى الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد التي تمتلكها الشركات الصينية، بما قد يساعد على تطوير قاعدة صناعية محلية ورفع تنافسية المنتجات المصرية.
كما يمكن أن تمثل مصر بالنسبة للشركات الصينية منصة للإنتاج والتصدير إلى أسواق متعددة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة التي تربطها بعدد من الأسواق، وهو ما يمنح القاهرة فرصة للحصول على استثمارات تستهدف الإنتاج والتصدير وليس السوق المحلية فقط.
قناة السويس والمنطقة الاقتصادية في قلب الحسابات
وتأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مقدمة الملفات التي يمكن أن تحقق من خلالها مصر مكاسب ملموسة من تعميق الشراكة مع بكين، خصوصًا في مجالات الصناعة والطاقة واللوجستيات.
فقدرة المنطقة على استقطاب الصناعات المرتبطة بالتجارة العالمية تمنح مصر فرصة لبناء تجمعات صناعية متكاملة بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تمنح الشركات الصينية موقعًا استراتيجيًا للإنتاج والتوزيع والوصول إلى الأسواق.
ومن ثم، فإن نجاح القاهرة في تحويل الاستثمارات الصينية من مجرد مشروعات منفردة إلى منظومة صناعية متكاملة تضم الإنتاج والتكنولوجيا والتدريب والتصدير والخدمات اللوجستية، سيكون أحد أهم مؤشرات نجاح المرحلة المقبلة من العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
التكنولوجيا والطاقة.. ملفات مرشحة للتوسع
ولا تتوقف فرص التعاون عند الصناعة والبنية الأساسية، إذ يمكن أن تمتد الشراكة إلى قطاعات التكنولوجيا والطاقة والطاقة الجديدة والمتجددة، وهي مجالات أصبحت تحتل موقعًا متقدمًا في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية.
وفي ظل توجه مصر نحو زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة وتوطين الصناعات المرتبطة بها، يمكن للاستثمارات والخبرات الصينية أن تسهم في دعم مشروعات جديدة، إلى جانب تطوير الصناعات المغذية وخلق فرص للتدريب ونقل المعرفة.
كما يمثل التعاون في التكنولوجيا والتحول الرقمي والقطاعات ذات القيمة المضافة فرصة أمام مصر لتجاوز نموذج التعاون القائم على تنفيذ المشروعات، إلى نموذج أكثر تطورًا يقوم على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة.
10 سنوات غيّرت شكل العلاقة
ويشير الجوهري إلى أن عودة شي جين بينج إلى مصر بعد عشر سنوات ليست مجرد مصادفة، موضحًا أن زيارة عام 2016 جاءت في مرحلة كان الهدف الأساسي فيها تعزيز الشراكة بين البلدين، بينما تأتي الزيارة الحالية في ظل تغيرات كبيرة طرأت على مصر والصين والاقتصاد العالمي.
فالصين أصبحت أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي، وأكثر انخراطًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما تسعى مصر إلى الانتقال بصورة أكبر نحو نموذج اقتصادي يقوم على الصناعة والتصدير والاستثمار الأجنبي المباشر.
ومن هنا، يمكن النظر إلى زيارة 2026 باعتبارها فرصة لإعادة تعريف الشراكة المصرية الصينية ووضع أهداف أكثر طموحًا للعقد المقبل، بحيث لا تقتصر العلاقات على التجارة أو تنفيذ المشروعات، وإنما تمتد إلى الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد.
ماذا تريد مصر من الزيارة؟
وبالنسبة للقاهرة، فإن المكاسب المنتظرة يمكن تلخيصها في عدة مسارات رئيسية، يأتي في مقدمتها جذب استثمارات صينية مباشرة جديدة، وزيادة حجم التصنيع المحلي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية.
كما تمثل الزيارة فرصة لتأكيد قدرة مصر على لعب دور أكبر كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار والتصنيع، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الاقتصادية الدولية.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة لمصر لا يتمثل فقط في حجم الاتفاقيات التي قد تنتج عن الزيارة، وإنما في نوعية هذه الاتفاقيات وقدرتها على التحول إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية مستدامة تضيف إلى الاقتصاد المصري قيمة حقيقية، وتدعم الصادرات، وتوفر فرص العمل، وتنقل التكنولوجيا، وتدفع بالعلاقات المصرية الصينية من مرحلة الشراكة التقليدية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية ذات العائد الاقتصادي المباشر.








