الخميس 27 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

رسم الـ13% على واردات البيليت يفتح معركة جديدة حول مستقبل صناعة الصلب في مصر

الخميس 27/أغسطس/2026 - 03:51 م
صناعة الصلب في مصر
صناعة الصلب في مصر

أعاد قرار وزارة التجارة والصناعة فرض رسم وقائي بنسبة 13% على واردات البيليت فتح ملف صناعة الحديد والصلب في مصر على نطاق أوسع من مجرد حساب تكلفة طن البيليت.

فالخلاف بين المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة من جانب ومصانع الدرفلة من جانب آخر يرتبط بسؤال اقتصادي وصناعي أوسع، هل تعتمد مصر على استيراد البيليت لتلبية احتياجات مصانع الدرفلة أم تستفيد من الطاقات المحلية المتاحة وتدعم التكامل الصناعي؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل ارتفاع فائض الطاقة الإنتاجية لصناعة الصلب عالميًا إلى أكثر من 640 مليون طن، بينما تمتلك مصر طاقات إنتاجية للبيليت تتجاوز احتياجاتها المحلية وفق البيانات المطروحة في هذا الملف.

كيف بدأ الخلاف حول رسم الـ13%؟

بدأت القضية بشكوى تقدمت بها مصانع متكاملة وشبه متكاملة طالبت بفرض رسم وقائي بنسبة 25% على واردات البيليت، بدعوى تعرض الصناعة المحلية للضرر نتيجة تدفق واردات منخفضة الأسعار.

وأجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة التجارة والصناعة تحقيقًا مبدئيًا انتهى إلى توصية بفرض رسم مؤقت بنسبة 16%.

وفي 31 مارس 2026 صدر القرار النهائي بفرض رسم وقائي قدره 13% على واردات البيليت.

وترى مصانع الدرفلة أن القرار يرفع تكلفة أحد أهم مدخلات الإنتاج لديها، ما يؤثر في قدرتها على المنافسة وقد ينعكس على التصدير ومستويات التشغيل.

في المقابل، ترى المصانع المتكاملة أن القضية لا تتعلق فقط بسعر البيليت، وإنما بمدى قدرة الصناعة المصرية على استغلال الطاقات المتاحة وتعميق التصنيع المحلي.

فائض عالمي يتجاوز 640 مليون طن من الصلب

تكشف البيانات المطروحة في الملف عن مشكلة تتجاوز السوق المصرية، فقد ارتفع فائض الطاقة الإنتاجية لصناعة الصلب عالميًا من نحو 522 مليون طن في 2019 إلى نحو 640 مليون طن في 2025، بزيادة تقارب 23%، وبلغ فائض الطاقة الإنتاجية خارج الصين نحو 336 مليون طن خلال 2025، وتعني هذه الأرقام أن سوق الصلب العالمي يواجه فجوة كبيرة بين الطاقات الإنتاجية وحجم الطلب.

وتدفع هذه الأوضاع الدول إلى تشديد إجراءات الحماية التجارية أمام الواردات التي قد تضغط على المنتجين المحليين.

ويشير تقرير OECD Steel Outlook 2026 إلى استمرار عوامل تؤثر في هيكل سوق الصلب العالمي، من بينها سياسات دعم وإجراءات مرتبطة بالطاقة الإنتاجية في الصين.

ووفق البيانات الواردة في الملف، ظهرت خلال 2025 عشرات المبادرات الجديدة على مستوى المقاطعات والبلديات الصينية، تضمنت منحًا وتمويلًا وائتمانًا تفضيليًا لمنتجي الصلب، وهنا تظهر أهمية السوق المصرية، فكلما زادت القيود في الأسواق الكبرى أمام فائض الإنتاج العالمي، أصبحت الأسواق الأخرى أكثر أهمية بالنسبة للمنتجين الباحثين عن منافذ تصدير.

البيليت ليس خام الحديد

يدور جانب من الجدل حول طبيعة البيليت نفسه، وتصفه بعض مصانع الدرفلة بأنه مادة خام بالنسبة إلى نشاطها، باعتبارها تستخدمه في إنتاج حديد التسليح، لكن البيليت يختلف عن خام الحديد والخردة، فالبيليت منتج صلب شبه نهائي يمر بمراحل صناعية تشمل إنتاج الصلب السائل والصب، قبل انتقاله إلى مرحلة الدرفلة لإنتاج حديد التسليح ومنتجات صلب أخرى، وبالتالي فإن الجزء الأكبر من مراحل إنتاج الصلب يكون قد تم قبل وصول البيليت إلى مصنع الدرفلة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية عند تقييم القيمة المضافة لكل مرحلة من مراحل الصناعة، خاصة عند المقارنة بين استيراد منتج شبه نهائي وتصنيع المنتج من مراحل الإنتاج الأولى داخل مصر.

هل تمتلك مصر ما يكفي من البيليت؟

تطرح بيانات الصناعة المصرية رقمًا محوريًا في النقاش، تبلغ احتياجات إنتاج حديد التسليح في مصر نحو 8.8 مليون طن من البيليت، بينما تصل الطاقة الإنتاجية المتاحة للبيليت إلى نحو 13.7 مليون طن، وبذلك تصل الطاقة الفائضة إلى قرابة 5 ملايين طن، وهذه الكمية تعادل نحو 36% من الطاقة الإنتاجية المتاحة وفق المقارنة الحسابية بين الرقمين.

وتتوزع الطاقة الإنتاجية للبيليت وفق البيانات المقدمة على النحو التالي:

8.7 مليون طن لدى المصانع المتكاملة.

2.4 مليون طن لدى المصانع شبه المتكاملة.

2.6 مليون طن لدى مصانع الحث الذاتي التي قامت بتوفيق أوضاعها.

وتطرح هذه الأرقام سؤالًا مباشرًا، إذا كانت الطاقة المحلية لإنتاج البيليت تتجاوز احتياجات إنتاج حديد التسليح، فما السبب الاقتصادي وراء استمرار استيراد كميات كبيرة من البيليت؟

هنا ينتقل النقاش من سؤال توافر المنتج إلى سؤال التكلفة.

نحو مليار دولار لواردات البيليت

بحسب البيانات المشار إليها من الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، استوردت مصر نحو 1.6 مليون طن من البيليت خلال 2024 بقيمة تقترب من مليار دولار، وتمنح هذه الأرقام ملف البيليت بعدًا آخر يتعلق بالموارد الدولارية، فإذا كان المنتج المستورد لا يوجد له بديل محلي كافٍ، تصبح الواردات وسيلة لسد فجوة في السوق.

أما عندما توجد طاقات إنتاجية محلية كبيرة، فإن استمرار الاستيراد يطرح سؤالًا حول أسباب تفضيل المنتج المستورد ومدى قدرة المنتج المحلي على المنافسة من حيث السعر والتكلفة والجودة، وهذا هو جوهر الخلاف بين أطراف الصناعة.

هل رسم الـ13% مرتفع مقارنة بالدول الأخرى؟

تقول البيانات المقدمة من الجانب المؤيد لقرار الحماية: إن مصر لا تفرض معدلًا استثنائيًا مقارنة بعدد من الأسواق العالمية.

وتشير المقارنات إلى رسوم حمائية تصل إلى 50% في الولايات المتحدة، و35% في باكستان، و25% في كندا، و30% في تونس، و17% في تركيا، مقابل 13% في مصر.

لكن المقارنة بين الدول تحتاج إلى النظر إلى تكلفة الإنتاج الكاملة، وليس الرسوم وحدها.

فأسعار الطاقة والغاز والكهرباء، وتكلفة التمويل، وسعر الصرف، والنقل والخدمات اللوجستية، كلها عوامل تؤثر في تكلفة طن الصلب.

لذلك فإن مقارنة صناعة الصلب المصرية بنظيرتها في السعودية أو تركيا لا يمكن أن تعتمد على معدل الرسم الجمركي فقط.

ماذا عن الاتحاد الأوروبي؟

يستشهد البعض بعدم فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا مماثلة على واردات البيليت باعتباره دليلًا على إمكانية ترك السوق مفتوحة، لكن اختلاف هيكل الصناعة يجعل المقارنة بحاجة إلى قدر من التدقيق، فصناعة الصلب الأوروبية تضم عددًا كبيرًا من المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة التي تنتج البيليت ضمن سلسلة التصنيع الخاصة بها.

وبالتالي فإن اعتماد السوق الأوروبية على استيراد البيليت يختلف عن سوق تضم نسبة أكبر من مصانع الدرفلة التي تعتمد على شراء المنتج شبه النهائي.

ولهذا فإن تقييم السياسة التجارية يحتاج إلى ربط الرسوم بهيكل الصناعة المحلية وحجم الإنتاج والطاقة الفائضة وطبيعة الطلب.

هل رسوم البيليت تهدد صادرات مصانع الدرفلة؟

تطرح مصانع الدرفلة مخاوف من تأثير الرسوم على قدرتها التنافسية، لكن هناك جانبًا آخر يتعلق بقواعد المنشأ، فالبيليت المستورد لا يتحول تلقائيًا إلى منتج مصري بمجرد إجراء عملية الدرفلة عليه.

وتحديد منشأ المنتج النهائي يخضع للقواعد المطبقة في الأسواق المستوردة، وهو ما يجعل الحديث عن التصدير مرتبطًا ليس فقط بتكلفة البيليت، وإنما بقواعد المنشأ ومتطلبات الأسواق الخارجية.

ومن هنا فإن تقييم أثر رسم الـ13% على الصادرات يحتاج إلى دراسة كل سوق تصديرية على حدة.

سلامة المنتج والتتبع جزء من المعادلة

لا يرتبط ملف البيليت بالتكلفة فقط، فحديد التسليح يدخل في إنشاء المباني والمنشآت، ولذلك تمثل جودة المواد الخام وإمكانية تتبعها جانبًا مهمًا في منظومة الجودة، وتزداد أهمية التتبع عندما تدخل شحنات من مصادر مختلفة في عملية التصنيع.

السؤال هنا ليس اتهام المنتج المستورد بعدم المطابقة، وإنما مدى قدرة منظومة الرقابة على ربط المنتج النهائي بمصدر البيليت والصبة والمواصفات المستخدمة في التصنيع.

وهذه المسألة تتعلق بجودة المنتج وسلامة المنشآت إلى جانب علاقتها بالمنافسة الصناعية.

الدرفلة أم التكامل الصناعي؟

يمكن فهم الخلاف بصورة أوضح عند النظر إلى مراحل الإنتاج، مصنع الدرفلة الذي يستورد البيليت يركز على المرحلة الأخيرة من تحويل المنتج شبه النهائي إلى حديد تسليح.

أما المصنع المتكامل فيبدأ من مراحل سابقة ويضيف قيمة عبر مراحل متعددة.

كلا النموذجين يخلق قيمة مضافة ويوفر فرص عمل.

لكن حجم القيمة المضافة والاستثمارات والطاقة المستخدمة وعدد مراحل الإنتاج يختلف من نموذج إلى آخر.

ولهذا فإن النقاش حول البيليت يرتبط بشكل الصناعة التي تريد مصر بناءها خلال السنوات المقبلة.

هل حماية البيليت تعني احتكار سوق الحديد؟

تخشى مصانع الدرفلة من أن يؤدي تقليص واردات البيليت إلى زيادة تركّز السوق وارتفاع الأسعار، لكن فرض رسم وقائي لا يعني في حد ذاته منح مصنع معين حق تحديد السعر.

الفارق مهم بين الحماية التجارية والاحتكار.

فالحماية تستهدف تنظيم المنافسة مع المنتجات المستوردة، بينما يرتبط الاحتكار بقدرة منشأة أو مجموعة منشآت على التحكم في السوق والأسعار.

ولذلك فإن تقييم أثر القرار يحتاج إلى متابعة أسعار البيليت المحلي، وعدد المنتجين، والطاقة المتاحة، وحجم الطلب، وهوامش الربح بعد تطبيق الرسم.

لماذا تحظى صناعة الصلب بهذه الأهمية؟

صناعة الصلب ترتبط بقطاعات واسعة من الاقتصاد، وتدخل منتجاتها في التشييد والبنية الأساسية والسيارات والأجهزة المنزلية والمعدات والصناعات الهندسية.

ولهذا تنظر دول كثيرة إلى الصلب باعتباره قطاعًا يرتبط بالأمن الاقتصادي والقدرة الإنتاجية الوطنية.

وتشير هذه الرؤية إلى أن حماية صناعة الصلب لا تستهدف منتجًا واحدًا فقط، وإنما تستهدف الحفاظ على سلسلة صناعية يمكن أن تخدم قطاعات أخرى.

وفي هذا السياق، يرى علاء أبو الخير، رئيس غرفة الصناعات المعدنية، أن زيادة النشاط في قطاع التشييد يمكن أن تدعم استغلال الطاقات الإنتاجية القائمة في الصناعات المرتبطة بالبناء.

وتشمل هذه الصناعات مواد البناء والأجهزة الكهربائية والمفروشات والسلع المنزلية وغيرها.

خبراء الصناعة يدافعون عن القرار

ترى الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أن صناعة الصلب تمثل قطاعًا استراتيجيًا لبناء اقتصاد صناعي قوي.

وتعتبر أن حماية صناعة الصلب أمام تدفقات البيليت المستورد يمكن أن ترتبط باعتبارات الأمن الاقتصادي، خاصة مع وجود طاقات إنتاجية محلية كبيرة وفائض عالمي في إنتاج الصلب.

كما يشير جورج متى، رئيس قطاع التسويق في مجموعة عز الصناعية ورئيس اللجنة الاقتصادية في الحديد العربي للصلب، إلى أن القضية لا تتعلق فقط بنسبة الـ13%.

ويرى أن جوهرها يرتبط بنوع الصناعة التي تريد مصر بناءها، في ظل امتلاكها طاقات محلية لإنتاج البيليت تفوق احتياجاتها.

هل يستحق البيليت الحماية؟

رسوم الوقاية تمثل إحدى الأدوات المتاحة للدول للتعامل مع الزيادة الكبيرة في الواردات عندما تؤدي هذه الزيادة إلى ضرر للصناعة المحلية وفق القواعد المنظمة للتجارة الدولية، لكن نجاح السياسة لا يقاس بفرض الرسم وحده، المعيار الأهم هو ما سيحدث بعد التطبيق.

هل ترتفع معدلات تشغيل مصانع البيليت المصرية؟

هل تنخفض الواردات؟

هل تستقر أسعار حديد التسليح؟

هل تحافظ مصانع الدرفلة على قدرتها التنافسية؟

وهل تؤدي الحماية إلى استثمارات جديدة وزيادة الإنتاج أم تتحول إلى تكلفة إضافية على باقي حلقات الصناعة؟

هذه الأسئلة ستحدد مدى نجاح القرار في تحقيق هدفه.

 

المعركة الحقيقية تتجاوز نسبة الـ13%

الخلاف حول رسوم الحماية على واردات البيليت لا يدور في النهاية حول 13% فقط.

المعركة الحقيقية تتعلق باتجاه صناعة الصلب المصرية.

إذا كانت مصر تمتلك طاقات إنتاجية محلية كبيرة لإنتاج البيليت، فإن الاعتماد على الاستيراد يطرح سؤالًا حول كيفية استغلال هذه الطاقات.

وفي المقابل، إذا كانت تكلفة البيليت المحلي أعلى بصورة تؤثر في قدرة مصانع الدرفلة على المنافسة، فإن السياسة الصناعية تحتاج إلى معالجة أسباب ارتفاع التكلفة، وليس الاكتفاء برفع تكلفة البديل المستورد.

وهنا يصبح المطلوب هو تحقيق توازن بين حماية الصناعة المحلية والحفاظ على المنافسة ومنع ارتفاع التكلفة على الصناعات التالية في سلسلة الإنتاج.

فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون حماية مصنع على حساب آخر، وإنما بناء صناعة صلب قادرة على الإنتاج والمنافسة والتصدير واستغلال موارد الدولة.

وفي ظل فائض عالمي يتجاوز 600 مليون طن من طاقات الصلب، وامتلاك مصر طاقات محلية كبيرة لإنتاج البيليت، يصبح السؤال الأهم واضحًا.