75 دولة تنتظر السيارات المصرية.. لماذا تتقدم الواردات على الصادرات؟
رغم امتلاك مصر شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بأكثر من 75 دولة، وتوفر فرصًا كبيرة للنفاذ إلى الأسواق الخارجية، فإن قطاع السيارات لم يتمكن حتى الآن من تحويل هذه المزايا إلى طفرة تصديرية حقيقية.
ففي الوقت الذي أتاحت فيه الاتفاقيات التجارية تدفقًا أكبر للسيارات المستوردة المعفاة أو منخفضة الرسوم الجمركية، لا تزال الصادرات المصرية محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة، بسبب اعتماد الصناعة المحلية بدرجة كبيرة على التجميع وضعف قاعدة الصناعات المغذية.
ويرى خبراء ومصنعون أن الاتفاقيات التجارية تمثل فرصة وليست ضمانًا تلقائيًا للصادرات، مؤكدين أن الاستفادة الحقيقية منها تتطلب رفع نسب المكون المحلي، وتعميق التصنيع، وتوفير طاقات إنتاجية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ارتفاع صادرات السيارات.. تحسن محدود أمام حجم الفرص المتاحة
وشهدت صادرات السيارات ومكوناتها ارتفاعًا بنسبة 22% خلال النصف الأول من العام الحالي، إلا أن المصنعين وصفوا هذا النمو بأنه ما زال محدودًا مقارنة بحجم الفرص التي توفرها الاتفاقيات التجارية والأسواق المرتبطة بها.
في المقابل، ارتفعت واردات سيارات الركوب بنسبة 10% خلال الفترة نفسها، لتصل إلى نحو 1.68 مليار دولار، مقارنة بـ1.53 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الماضي، وهو ما يعكس استمرار تفوق جانب الواردات على الصادرات.
وبلغت واردات السيارات من دول الاتحاد الأوروبي نحو 480 مليون دولار خلال أول أربعة أشهر من عام 2026، وفقًا للبيانات الدولية، في الوقت الذي ما زالت فيه السيارات المصرية تستهدف عددًا محدودًا من الأسواق الخارجية، أبرزها ألمانيا وتركيا وسوريا والولايات المتحدة.
برنامج تنمية صناعة السيارات يستهدف زيادة الإنتاج والمكون المحلي
وتراهن الحكومة على قطاع السيارات باعتباره أحد القطاعات الصناعية القادرة على دعم الصادرات وزيادة القيمة المضافة، من خلال البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات.
ويستهدف البرنامج رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 260 ألف سيارة سنويًا، مقارنة بإنتاج يقارب 95 ألف سيارة خلال عام 2025، مع زيادة نسبة المكون المحلي تدريجيًا لتصل إلى 60%.
كما يستهدف البرنامج في مرحلته الأولى تجاوز إنتاج 100 ألف سيارة سنويًا، مع وضع اشتراطات تتعلق بحجم الإنتاج، من بينها إنتاج حد أدنى يبلغ 10 آلاف سيارة سنويًا، و5 آلاف سيارة لكل طراز، إلى جانب تقديم حوافز للشركات التي تحقق نسبًا أعلى من المكون الصناعي المحلي.
وتبلغ نسبة المكون المحلي حاليًا نحو 45% في سيارات الركوب، مقابل 60% في سيارات النقل، وهي نسب يرى المصنعون أنها تحتاج إلى مزيد من الارتفاع لضمان الاستفادة الكاملة من اتفاقيات التجارة الحرة، التي تشترط في كثير من الأحيان نسبًا محددة من القيمة المضافة المحلية.
أبوالمجد: الاتفاقيات التجارية استفادت منها الواردات أكثر من الصادرات
قال أسامة أبوالمجد، رئيس رابطة تجار السيارات، إن مصر تمتلك بالفعل شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية، إلا أن تأثيرها يختلف حسب طبيعة كل سوق والمنتجات التي يتم تبادلها.
وأوضح أن اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية كانت الأكثر تأثيرًا على سوق السيارات، بعدما ساهمت في دخول السيارات الأوروبية بإعفاءات جمركية، وهو ما أدى إلى زيادة المعروض وتنوع الطرازات داخل السوق المحلية.
وأضاف أن اتفاقية أغادير حققت استفادة محدودة للقطاع، بينما لم تحقق اتفاقية الكوميسا النتائج المستهدفة حتى الآن فيما يتعلق بصادرات السيارات.
وأشار إلى أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تركز على جذب استثمارات الشركات الآسيوية الكبرى، خاصة الشركات الصينية، بهدف تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج إقليمية تخدم الأسواق المرتبطة معها باتفاقيات تجارية.
السبع: اتفاقيات التجارة لا تكفي دون استيفاء قواعد المنشأ
وقال علاء السبع، رئيس مجلس إدارة شركة السبع أوتوموتيف، إن اتفاقيات التجارة الحرة لا تعني تلقائيًا قدرة المصانع على التصدير، خاصة في قطاع السيارات الذي يخضع لقواعد إنتاج أكثر تعقيدًا.
وأوضح أن الاستفادة من هذه الاتفاقيات ترتبط بمدى استيفاء قواعد المنشأ، إلى جانب موافقة الشركات العالمية المالكة للعلامات التجارية على تخصيص خطوط إنتاج للتصدير من مصر إلى أسواق معينة.
وأشار إلى أن بعض الاتفاقيات تشترط وصول نسبة المكون المحلي إلى 55% أو 60%، بينما تضع اتفاقيات أخرى نسبًا أقل، مؤكدًا أن زيادة التصنيع المحلي تظل العامل الرئيسي لتعظيم الاستفادة من هذه المزايا.
وأكد أن المستهلك المصري كان المستفيد الأكبر من الاتفاقيات التجارية حتى الآن، بينما تحتاج الصناعة المحلية إلى رفع قدراتها الإنتاجية لتحقيق استفادة مماثلة على مستوى التصدير.
بلبع: تعميق التصنيع المحلي الحل الحقيقي لتحقيق التوازن التجاري
وأكد عمر بلبع، رئيس شعبة السيارات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن اتفاقيات التجارة الحرة تمثل إطارًا لتسهيل حركة التجارة، لكنها لا تنتج صادرات دون وجود منتج قادر على المنافسة.
وأوضح أن تجربة اتفاقية أغادير تعكس هذا التحدي، حيث نجحت مصر في استيراد سيارات من المغرب، لكنها لم تحقق مستوى مماثلًا من النفاذ إلى السوق المغربية.
وأشار إلى أن تعميق التصنيع المحلي يساهم في خفض تكلفة الإنتاج وتحسين جودة المنتج وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
سعد: الخروج من مرحلة التجميع ضرورة للاستفادة من الاتفاقيات
وقال خالد سعد، أمين عام رابطة مصنعي السيارات، إن اتفاقيات التجارة الحرة ساعدت بشكل واضح في زيادة الواردات، لكنها لم تحقق التأثير نفسه على الصادرات بسبب محدودية القاعدة الصناعية.
وأوضح أن معظم المصانع المحلية لا تزال تعتمد على التجميع واستيراد نسبة كبيرة من المكونات، وهو ما يقلل فرص استيفاء قواعد المنشأ المطلوبة للحصول على الإعفاءات الجمركية.
وأكد أن تجربة تركيا تقدم نموذجًا مهمًا، إذ تمكنت من تحويل اتفاقياتها التجارية إلى صادرات قوية بفضل امتلاكها قاعدة صناعية متكاملة وشبكة قوية من الصناعات المغذية.
وأشار إلى أن برنامج تنمية صناعة السيارات يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى الاستمرار لفترات طويلة مع تقديم حوافز تشجع الشركات على زيادة الإنتاج والتصدير.
أبو فريخة: الإنتاج الاقتصادي شرط جذب الشركات العالمية
وأوضح عمرو أبو فريخة، العضو المنتدب لشركة طنطا موتورز، أن الاتفاقيات التجارية تفتح الأسواق أمام الصادرات، لكنها لا تكفي وحدها لإنشاء صناعة تنافسية.
وأكد أن صناعة السيارات تعتمد على الإنتاج الكمي، مشيرًا إلى أن الوصول إلى حجم إنتاج اقتصادي يعد شرطًا أساسيًا لخفض التكلفة وجذب الشركات العالمية.
وأضاف أن تجربة المغرب نجحت لأنها لم تعتمد على الاتفاقيات فقط، بل ركزت على إنتاج طرازات محددة وبناء قاعدة قوية من الموردين المحليين.
وأشار إلى أن المستثمر الأجنبي يهتم بحجم السوق واستدامة الطلب قبل النظر إلى الحوافز التجارية.
الصناعات المغذية مفتاح التحول إلى مركز إقليمي للسيارات
وأكد محمد المهندس، رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، أن اتفاقيات التجارة الحرة ساهمت في تعزيز جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الصناعية، إلا أن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن أثرت على سرعة الاستفادة منها.
وأوضح أن استقرار التجارة العالمية سيمنح القطاع فرصة أكبر لزيادة الإنتاج الموجه للتصدير.
من جانبه، أكد شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، أن مصر تمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات بفضل موقعها واتفاقياتها التجارية الواسعة.
وأشار إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في ضعف تعميق التصنيع المحلي، مؤكدًا أن جذب مصانع التجميع فقط لا يكفي، وإنما يجب التركيز على توطين صناعة المكونات.
وأوضح أن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية يمثل فرصة مهمة لمصر، خاصة مع انتقال مركز الصناعة إلى آسيا، مشددًا على أهمية وضع برنامج حوافز طويل الأجل يمنح المستثمرين رؤية مستقرة للتوسع في الإنتاج والتصدير.
تعميق التصنيع الطريق لتحويل الاتفاقيات إلى صادرات حقيقية
وتؤكد آراء الخبراء أن مصر تمتلك أدوات مهمة لتعزيز صادرات السيارات، لكن تحقيق الاستفادة الكاملة من اتفاقيات التجارة الحرة يتطلب الانتقال من نموذج التجميع إلى التصنيع المتكامل، وبناء قاعدة قوية للصناعات المغذية، وزيادة الإنتاج، بما يحول المزايا الجمركية إلى صادرات فعلية ومنافسة عالمية.
