الثلاثاء 28 يوليو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
عقارات

من بيت العائلة إلى الإيجار.. أزمة السكن تعيد تشكيل حياة شباب الريف

الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 05:40 م
ارشيفية
ارشيفية

لم يعد حلم امتلاك منزل مستقل في القرى والأرياف سهل التحقيق كما كان في السابق، فمع الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي وتزايد أعباء البناء، أصبح الاستقرار في منزل العائلة أو شراء قطعة أرض قريبة منه يمثل تحديًا كبيرًا أمام كثير من الشباب، خاصة المقبلين على الزواج.

وبينما كان بناء شقة داخل بيت العائلة أو تشييد منزل جديد بجوار الأسرة أحد أبرز مظاهر الاستقرار في الريف، بدأت هذه العادة تتراجع تدريجيًا أمام مجموعة من العقبات، أبرزها ارتفاع أسعار الأراضي، ومشكلات تراخيص البناء، والمخالفات القديمة، وأزمات توصيل المرافق، وعلى رأسها نظام العدادات الكودية للكهرباء، ما دفع قطاعًا من الشباب إلى اعتبار الإيجار حلًا مؤقتًا حتى تتحسن الظروف.

أسعار الأراضي تقفز.. والقيراط يقترب من المليون جنيه

استطلعت "الجريدة العقارية" آراء عدد من الشباب في قرى محافظة الشرقية، للوقوف على أسباب التخلي عن فكرة السكن في بيت العائلة، حيث أكد كثيرون أن ارتفاع أسعار الأراضي أصبح العقبة الأكبر أمام بناء منزل مستقل.

يروي "محمد.م"، موظف ثلاثيني، تجربته قائلًا: "عندما بدأت التفكير في تجهيز منزل الزوجية وجدت أن الخيارات التقليدية أصبحت صعبة، فإما البناء في بيت العائلة أو شراء قطعة أرض قريبة وبناء منزل جديد، لكن الواقع تغير بشكل كبير".

وأوضح أن منزل العائلة لم يعد مناسبًا لإضافة طابق جديد بسبب حالته الإنشائية، في الوقت الذي تراوح فيه سعر قيراط الأرض في منطقته بين 500 ألف جنيه ومليون جنيه، بخلاف تكاليف البناء والتشطيبات التي أصبحت تمثل عبئًا إضافيًا.

وأضاف: "قررت اختصار الوقت واستأجرت شقة في إحدى القرى المجاورة، وبدأت العمل على زيادة دخلي حتى أتمكن مستقبلًا من شراء قطعة أرض وبناء منزل خاص بي".

ارتفاع الأسعار رغم محدودية الخدمات يثير تساؤلات الشباب

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار فقط، بل يرى بعض الشباب أن قيمة الأراضي في بعض القرى لا تتناسب مع مستوى الخدمات المتاحة، حيث تشهد مناطق عديدة ارتفاعات كبيرة في أسعار القيراط رغم غياب بعض الخدمات الأساسية.

وقال أحد الشباب عبر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إن أسعار الأراضي في قريته تجاوزت المليون جنيه للقيراط، متسائلًا عن أسباب هذا الارتفاع رغم محدودية الخدمات، مثل نقص بعض المرافق الصحية والتعليمية، وعدم اكتمال البنية التحتية في بعض المناطق.

ويرى شباب الريف أن تحديد أسعار الأراضي يخضع في كثير من الأحيان لمنطق "العرض والطلب" دون وجود معايير واضحة ترتبط بمستوى الخدمات أو طبيعة المنطقة.

مخالفات البناء.. أزمة أخرى تدفع الشباب بعيدًا عن بيت العائلة

ولا يمثل ارتفاع أسعار الأراضي السبب الوحيد في تغير توجهات الشباب، فهناك أزمات قانونية متوارثة أصبحت تمثل عائقًا أمام البعض، خاصة في المنازل القديمة التي تعاني من مخالفات بناء أو مشكلات مرتبطة بالمرافق.

ويحكي "حسام.ز" تجربته بعد عودته من سنوات عمل طويلة بالخارج، حيث فوجئ بوجود مخالفات في منزل العائلة تتعلق بتراخيص البناء وتوصيلات الكهرباء، إلى جانب ظروف أخرى جعلته يتراجع عن فكرة السكن فيه.

وأوضح أنه اضطر إلى استئجار شقة حتى يتمكن من إتمام زواجه بعد فترة خطوبة طويلة بسبب أزمة السكن، لكنه وجد نفسه أمام أعباء إضافية، من بينها تكلفة الإيجار الشهرية التي بلغت 2000 جنيه، إلى جانب ارتفاع فاتورة الكهرباء بسبب مشكلات العدادات الكودية.

وأشار إلى أنه يخطط للعودة إلى العمل بالخارج مرة أخرى لتوفير تكلفة شراء قطعة أرض، مؤكدًا أن امتلاك منزل صغير أصبح بالنسبة له هدفًا أساسيًا حتى لو كان محدود المساحة.

تفاوت كبير في أسعار الأراضي وغياب معايير واضحة

وخلال جولة في عدد من قرى محافظة الشرقية، تبين وجود تفاوت كبير في أسعار الأراضي، حيث قد يصل سعر القيراط في بعض المناطق إلى 250 أو 500 ألف جنيه رغم توافر الخدمات، بينما يتجاوز المليون جنيه في مناطق أخرى ذات خدمات محدودة.

ويرجع بعض ملاك الأراضي والوسطاء هذا التفاوت إلى قاعدة "العرض والطلب"، إلا أن شبابًا كثيرين يرون أن الأسعار أصبحت منفصلة عن واقع الخدمات والإمكانات المتاحة في بعض القرى.

الإيجار يتحول إلى حل اضطراري أمام الشباب

وتتكرر معاناة العديد من الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار الإيجار كحل مؤقت، ومن بينهم "أحمد.ع"، محامٍ، اضطر إلى استئجار شقتين؛ الأولى لمسكن الزوجية والثانية كمكتب لممارسة عمله، في ظل عدم وجود دخل ثابت يتيح له شراء منزل خاص.

ويؤكد شباب الريف أن أزمة السكن لم تعد مرتبطة فقط بتوفير مكان للإقامة، لكنها أصبحت مرتبطة بتكاليف الأرض، وتعقيدات البناء، وارتفاع أسعار المرافق، ما أدى إلى تغير تدريجي في نمط الحياة الريفية، ودفع كثيرين إلى تأجيل حلم امتلاك منزل مستقل لسنوات طويلة.