الجمعة 24 يوليو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
اقتصاد مصر

هل تواجه صادرات الأسمدة المصرية اختبارا جديدا؟

الخميس 23/يوليو/2026 - 10:40 م
ارشيفية
ارشيفية

لم تعد المنافسة في التجارة الدولية تُقاس فقط بجودة المنتج أو تكلفته، بل أصبحت البصمة الكربونية عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة السلع على النفاذ إلى الأسواق العالمية.

 ومع اقتراب دخول آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) مرحلة التطبيق الكامل، تقف الصناعات المصرية كثيفة الانبعاثات، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة، أمام تحدٍ جديد قد يعيد رسم خريطة صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، أصدر معهد التخطيط القومي دراسة بعنوان تأثير آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) على الصادرات المصرية من الأسمدة، تناولت بالتحليل واحدة من أهم القضايا الاقتصادية والبيئية المطروحة حاليًا، مستهدفة تقييم حجم التأثيرات المحتملة على الصادرات المصرية، ورسم سيناريوهات التعامل معها بما يحافظ على تنافسية الصناعة الوطنية.

من المرحلة الانتقالية إلى التطبيق الكامل

بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل المرحلة الانتقالية للآلية، التي تركز على الإفصاح عن الانبعاثات الكربونية للسلع المستوردة، على أن يبدأ التطبيق المالي الكامل تدريجيًا، بما يعني أن المستوردين سيصبحون مطالبين بدفع تكلفة الكربون المضمنة في المنتجات القادمة من خارج الاتحاد إذا كانت معايير الدولة المصدرة أقل من المعايير الأوروبية. وتشمل الآلية في مرحلتها الحالية قطاعات تعد من أكثر الصناعات كثافة في الانبعاثات، مثل الحديد والصلب، والأسمنت، والألومنيوم، والأسمدة، والهيدروجين والكهرباء، وهي قطاعات تمثل جزءًا مهمًا من الصادرات المصرية.

تكشف الدراسة عن أن قطاع الأسمدة يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للصادرات الصناعية المصرية، إذ بلغت صادراته خلال الفترة بين عامي 2020 و2024 نحو 11.9 مليار دولار، بما يعادل 5.6% من إجمالي الصادرات المصرية البالغ 212.4 مليار دولار. وعلى المستوى العالمي، استحوذت مصر على نحو 2.6% من تجارة الأسمدة العالمية، التي بلغت قيمتها 451.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس المكانة التنافسية التي نجحت الصناعة المصرية في تحقيقها خلال السنوات الأخيرة. 

وتشير البيانات إلى أن الأسمدة النيتروجينية استحوذت وحدها على 75.6% من صادرات القطاع بقيمة تقارب 9 مليارات دولار، بينما مثلت الأسمدة الخاضعة مباشرة لآلية الكربون الأوروبية نحو 83% من إجمالي صادرات الأسمدة المصرية، بقيمة بلغت 9.9 مليار دولار، وهو ما يجعل تأثير الآلية الأوروبية على هذا القطاع أكثر حساسية مقارنة بغيره.

أوروبا السوق الأكثر أهمية

وتبرز الدراسة اعتماد قطاع الأسمدة المصري بدرجة كبيرة على السوق الأوروبية، إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024 على نحو 45% من صادرات الأسمدة المصرية، بقيمة بلغت 992 مليون دولار من إجمالي صادرات القطاع البالغة 2.185 مليار دولار. وتعني هذه النسبة أن أي زيادة في تكلفة النفاذ إلى الأسواق الأوروبية نتيجة تطبيق آلية الكربون قد تنعكس بصورة مباشرة على القدرة التنافسية للمنتج المصري، خاصة في ظل المنافسة مع منتجين يمتلكون تقنيات أكثر تطورًا في خفض الانبعاثات.

صادرات مصر من الأسمدة

الدراسة تستخدم النمذجة المستقبلية

اعتمد فريق الدراسة على منهجية جمعت بين التحليل النوعي والنمذجة الكمية باستخدام نموذج ديناميكيات النظم (System Dynamics)، وهو أحد النماذج المستخدمة عالميًا لمحاكاة التفاعلات الاقتصادية المعقدة واستشراف آثار السياسات المختلفة على المدى المتوسط والطويل. ووفقًا للدراسة، فإن تأثير آلية الكربون لن يتوقف عند زيادة تكلفة الصادرات، بل سيمتد إلى الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتكنولوجيا المستخدمة داخل المصانع، وهو ما يجعل الاستعداد المبكر أكثر جدوى من التعامل مع الآثار بعد وقوعها.

هل تمثل الآلية تهديدًا فقط؟

رغم التحديات التي تفرضها الآلية الأوروبية، فإن الدراسة تطرح رؤية مختلفة تعتبر أن التحول نحو الإنتاج منخفض الكربون يمكن أن يتحول إلى فرصة استراتيجية لتعزيز تنافسية الصناعة المصرية. فخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة لا يسهم فقط في تقليل الرسوم المحتملة التي قد تفرضها آلية CBAM، وإنما يرفع كذلك من كفاءة الإنتاج، ويخفض استهلاك الطاقة على المدى الطويل، ويزيد قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق التي أصبحت تربط بين التجارة والاستدامة البيئية.

خريطة طريق للتحول الأخضر

وطرحت الدراسة مجموعة من السياسات المقترحة لتسريع جاهزية الصناعة المصرية، في مقدمتها:

تطوير منظومة وطنية دقيقة لقياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات (MRV).

* توفير حوافز ضريبية وتمويلية للاستثمارات منخفضة الكربون.

* التوسع في استخدام الطاقة النظيفة داخل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

* إنشاء وتطوير أسواق للكربون بما يتوافق مع الاتجاهات الدولية.

* دعم الابتكار والتكنولوجيا النظيفة داخل القطاع الصناعي.

* تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين للاستفادة من التمويل الأخضر ونقل التكنولوجيا.