لماذا ارتفعت أسعار الغاز أكثر من النفط رغم استمرار تدفق الإمدادات؟
رغم أن أسواق الطاقة تعرضت لاضطرابات واسعة منذ اندلاع الحرب في المنطقة، فإن أسعار الغاز الطبيعي سجلت ارتفاعات تفوق بكثير مكاسب النفط، في مفارقة تعكس اختلاف طبيعة السوقين وآليات عملهما، وفق تحليل نشرته الشرق بلومبرج.
وبحسب التحليل، فإن أسعار النفط ارتفعت بنحو 20% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما تضاعفت تقريبًا أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، رغم استمرار تدفق إمدادات من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا، إلى جانب الغاز المنقول عبر الأنابيب من النرويج وأذربيجان.
ويرجع هذا التباين إلى أن أزمة الغاز لا ترتبط فقط بحجم الإمدادات، وإنما بسرعة وصولها إلى الأسواق. فالدول الأوروبية تتسابق حالياً على شراء شحنات الغاز الطبيعي المسال لإعادة بناء مخزوناتها قبل فصل الشتاء، وهو ما رفع وتيرة المنافسة على الشحنات المتاحة ودفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
ويشير التحليل إلى أن سوق النفط يتمتع بمرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات، إذ تمتلك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تسمح بتجاوز مضيق هرمز في جزء من صادراتهما النفطية، بينما لا تتوافر بدائل مماثلة لصادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج أو الشحن أكثر تأثيراً على الأسعار.
كما ساهمت الأضرار التي لحقت ببعض منشآت تسييل الغاز في قطر في زيادة المخاوف بشأن الإمدادات المستقبلية، بعد خروج جزء من الطاقة التصديرية عن الخدمة، وهو ما عزز حالة القلق في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، لا يزال سوق النفط يستفيد من توقعات بوجود إمدادات كافية نسبياً، الأمر الذي حدّ من وتيرة صعود الأسعار مقارنة بالغاز، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
ويؤكد خبراء نقلت عنهم الشرق بلومبرغ أن أوروبا تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في إعادة ملء مخزونات الغاز، التي لا تزال دون المستويات المعتادة لهذا الوقت من العام، بالتزامن مع منافسة قوية من الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، ما يزيد الضغوط على الأسعار.
كما أن استمرار الطلب المرتفع على الغاز لتوليد الكهرباء خلال فصل الصيف، إلى جانب زيادة الاستهلاك في آسيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، يقلص الكميات المتاحة للتخزين الأوروبي.
ويرى محللون أن الأسواق الأوروبية تحتاج إلى رفع مستويات التخزين إلى نحو 80% قبل حلول الشتاء لضمان أمن الإمدادات، وهو ما قد يتطلب مواصلة شراء شحنات إضافية بأسعار مرتفعة، إلى جانب إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة خلال الأشهر المقبلة.
ويعد الفارق بين أداء سوقي النفط والغاز يعكس اختلاف البنية الأساسية لكل منهما؛ ففي حين يتمتع النفط بمرونة أكبر في النقل وتعدد مسارات الإمداد، يبقى الغاز أكثر حساسية لأي تعطلات لوجستية أو نقص في الشحنات، وهو ما يفسر استمرار تداوله عند مستويات مرتفعة رغم توافر جزء كبير من الإمدادات العالمية.

