الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
اقتصاد مصر

«فلوس في الأرض».. من يحاسب هيئة تنشيط السياحة على الإنفاق المثير للجدل؟

الثلاثاء 23/يونيو/2026 - 09:42 م
ارشيفية
ارشيفية

في وقت تتبنى فيه الدولة سياسة صارمة لترشيد الإنفاق العام، وتوجه جميع الجهات الحكومية بخفض المصروفات غير الضرورية وحظر السفر الخارجي إلا للمهام التي تقتضيها الضرورة القصوى، تتصاعد التساؤلات حول عدد من القرارات والإجراءات داخل الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة، والتي أثارت جدلًا واسعًا بشأن أولويات الإنفاق وآليات الرقابة على المال العام.

أولى علامات الاستفهام تتعلق بسفر وفد من الهيئة إلى موسكو خلال الفترة من 1 إلى 4 يونيو 2026 على متن رحلات مصر للطيران بدرجة رجال الأعمال، رغم أن بعض المشاركين في الوفد ينتمون إلى لجان إدارية وتسويات لا يرتبط اختصاصها المباشر بالتسويق السياحي الخارجي أو إدارة السوق الروسي.

وتزداد التساؤلات حول مبررات هذا السفر، خاصة مع تحمل الهيئة تكاليف الانتقالات والإقامة وبدلات السفر، في وقت تمتلك فيه وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة مكاتب وممثلين سياحيين بالخارج يفترض أن يقوموا بجزء كبير من هذه المهام. كما يثار تساؤل آخر بشأن أسباب السفر بدرجة رجال الأعمال، ومدى توافق ذلك مع ضوابط الإنفاق الحكومي وسياسات التقشف الإداري المعلنة.

 

فقد أثار التعاقد الخاص بمعرض WTM لندن 2025 حالة من الجدل بعد الكشف عن مستندات تشير إلى أن القيمة الأولية للتعاقد مع شركة "كنوز" للنماذج الأثرية بلغت نحو 7.6 مليون جنيه، قبل أن تظهر مذكرة لاحقة رفعت التكلفة إلى ما يقرب من 15 مليون جنيه لتأجير 54 نموذجًا ومستنسخًا أثريًا لعرضها داخل الجناح المصري بالمعرض.

اللافت أن المذكرة التي تضمنت زيادة التكلفة جرى تداولها بعد انتهاء المعرض، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول توقيت الإجراءات وآليات اعتماد المصروفات ومراجعتها، خاصة أن قيمة التعاقد تضاعفت تقريبًا مقارنة بالمبلغ المعروض في البداية.

وتطرح هذه الوقائع أسئلة أكثر حساسية حول أسباب اللجوء إلى تأجير مستنسخات أثرية بملايين الجنيهات بدلًا من شراء نماذج يمكن استخدامها في عشرات المعارض والفعاليات المستقبلية، بما يحقق وفرًا مستدامًا للمال العام ويحد من تكرار الإنفاق على البنود نفسها.

كما أثار قرار تشكيل لجنة لتسوية الفواتير والمعاملات الخاصة بالشركة انتقادات واسعة، بعدما ضمت اللجنة عددًا من الموظفين دون وجود تمثيل قانوني أو مالي أو محاسبي متخصص، الأمر الذي دفع متابعين للشأن السياحي إلى المطالبة بمراجعة جميع الإجراءات المرتبطة بالتعاقد.

وتتجاوز القضية حدود الأرقام والعقود، لتصل إلى جوهر فلسفة الإنفاق الحكومي في مرحلة تتطلب أقصى درجات الانضباط المالي. فحين تُنفق ملايين الجنيهات على سفر وفود خارجية وتأجير نماذج أثرية لفترات محدودة، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف حجم العائد الفعلي الذي تحقق، وكيف تم قياسه، ومن الجهة التي راجعت تلك القرارات قبل اعتمادها.

السؤال الأهم اليوم ليس فقط كم أُنفق من المال العام، بل من راجع هذا الإنفاق؟ ومن قيّم جدواه الاقتصادية؟ وهل خضعت تلك القرارات لرقابة مسبقة ولاحقة تضمن تحقيق أفضل استفادة ممكنة من الموارد العامة؟

إن ما يثار حول هذه الملفات يستدعي مراجعة شاملة وشفافة من الجهات المختصة، ليس فقط لحسم الجدل الدائر، وإنما لترسيخ مبادئ المساءلة والحوكمة الرشيدة، والتأكد من أن كل جنيه يُنفق يحقق عائدًا حقيقيًا يتناسب مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة في المرحلة الحالية.