من قمم تاريخية إلى موجة بيع عاتية.. ماذا حدث في وول ستريت؟
تحولت الأسواق الأمريكية، خلال أسبوع واحد من حالة التفاؤل المفرط إلى موجة بيع عنيفة أعادت إلى الأذهان فترات التقلب الحادة في وول ستريت، بعدما اصطدمت شهية المخاطرة لدى المستثمرين بواقع اقتصادي أكثر صلابة مما كانت تتوقعه الأسواق.
ففي بداية الأسبوع، واصلت الأسهم الأمريكية تسجيل مستويات تاريخية جديدة مدعومة بزخم أسهم الذكاء الاصطناعي والتفاؤل بإمكانية بدء دورة خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، إلا أن المشهد تبدل بشكل دراماتيكي مع صدور بيانات اقتصادية قوية دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للسياسة النقدية الأميركية.
نهاية أطول موجة صعود في 2026
أنهى مؤشر "إس آند بي 500" تعاملات الأسبوع على تراجع تجاوز 2%، بينما تكبد مؤشر "ناسداك" خسائر حادة تجاوزت 4.5%، مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي له منذ أكثر من عام، في حين تراجع "داو جونز" بوتيرة أقل نسبياً.
وبذلك أسدل الستار على سلسلة مكاسب استمرت تسعة أسابيع متتالية، وهي واحدة من أطول موجات الصعود التي شهدتها الأسهم الأميركية خلال العام الجاري، والتي اعتمدت بشكل أساسي على رهانات المستثمرين على استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي وتراجع تكاليف التمويل مستقبلاً.
تقرير الوظائف يغير قواعد اللعبة
جاءت نقطة التحول الرئيسية مع صدور تقرير الوظائف الأميركي لشهر مايو، الذي كشف عن إضافة 172 ألف وظيفة جديدة، متجاوزاً توقعات الأسواق بفارق مريح، مع استقرار معدل البطالة عند 4.3% ورفع تقديرات الوظائف للأشهر السابقة.
ورغم أن قوة سوق العمل تُعد مؤشراً إيجابياً للاقتصاد الأميركي، فإن الأسواق نظرت إليها هذه المرة من زاوية مختلفة؛ إذ عززت البيانات القناعة بأن الاقتصاد لا يزال متماسكاً بما يكفي ليدفع الاحتياطي الفدرالي إلى التريث في خفض أسعار الفائدة.
بل إن بعض المتعاملين بدأوا في إعادة طرح سيناريو أكثر تشدداً يتمثل في إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى العودة إلى رفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية في الظهور خلال الأشهر المقبلة.
عوائد السندات توجه ضربة للأسهم
انعكس هذا التحول سريعاً على سوق السندات الأميركية، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات فوق مستوى 4.5%، بينما صعد العائد على السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوياته في عدة أشهر.
ويعد ارتفاع العوائد من أكبر التحديات التي تواجه الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة، إذ يؤدي إلى تقليص القيمة الحالية للأرباح المستقبلية ويزيد جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأصول عالية المخاطر.
قطاع الذكاء الاصطناعي يفقد بريقه مؤقتاً
وكان قطاع أشباه الموصلات الأكثر تضرراً من موجة التصحيح الأخيرة، بعدما تعرضت أسهم الشركات المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي لضغوط بيعية قوية.
وتراجعت أسهم شركات كبرى مثل إنفيديا وبرودكوم وAMD وإنتل بشكل ملحوظ، وسط مخاوف متزايدة من أن وتيرة النمو الاستثنائية التي شهدها القطاع خلال العامين الماضيين قد لا تكون قابلة للاستمرار بنفس الزخم.
وزادت هذه المخاوف بعد النتائج والتوقعات الصادرة عن برودكوم، والتي دفعت المستثمرين إلى جني الأرباح من أحد أكثر القطاعات ارتفاعاً في السوق خلال الفترة الماضية.
ووفق تقديرات الأسواق، تبخرت أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية لشركات الرقائق الإلكترونية خلال جلسة واحدة، في إشارة واضحة إلى حجم التحول في شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ماذا بعد؟
رغم حدة التراجعات الأخيرة، لا يزال الاتجاه العام للأسهم الأميركية مدعوماً بقوة الاقتصاد والأرباح المرتفعة للشركات الكبرى، إلا أن الأسواق دخلت مرحلة أكثر حساسية تجاه البيانات الاقتصادية المقبلة.
وسيكون المستثمرون خلال الأسابيع القادمة أمام اختبار حاسم يتمثل في معرفة ما إذا كان الاقتصاد الأميركي يحقق "الهبوط الناعم" الذي يراهن عليه كثيرون، أم أن استمرار قوة النشاط الاقتصادي سيجبر الاحتياطي الفدرالي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو السيناريو الذي قد يفرض مزيداً من الضغوط على الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي قادت الصعود خلال الأشهر الماضية.




