ضربة مزدوجة تهز الأسواق الناشئة.. الدولار والطاقة يشعلان أزمة العملات العالمية
تتعرض العملات في الأسواق الناشئة لضغوط قوية ومتزايدة خلال الفترة الحالية، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة عالميًا، بالتزامن مع صعود الدولار الأمريكي إلى مستويات قوية مدعومًا بتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة، وهو ما يضع العديد من الاقتصادات الناشئة أمام تحديات مالية ونقدية معقدة قد تمتد آثارها إلى النمو والاستثمار والاستقرار النقدي.
ويرى محللون اقتصاديون أن هذه التطورات تعيد إلى الأذهان أزمات سابقة شهدتها الأسواق الناشئة، عندما تسببت قوة الدولار وارتفاع تكاليف الطاقة في هروب رؤوس الأموال الأجنبية وتراجع حاد في قيمة العملات المحلية، الأمر الذي أدى إلى موجات تضخم واسعة وارتفاع تكاليف التمويل والاقتراض.
ويؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا إلى زيادة الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، حيث ترتفع فاتورة الواردات بصورة كبيرة، ما يدفع هذه الدول إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية احتياجات الاستيراد، وهو ما يضغط بشكل مباشر على الاحتياطيات النقدية وأسعار صرف العملات المحلية.
وفي الوقت نفسه، يواصل الدولار الأمريكي تحقيق مكاسب قوية بدعم من ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتزايد التوقعات باستمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية لفترة أطول، الأمر الذي يعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار ويدفع المستثمرين إلى تقليل استثماراتهم في الأسواق الناشئة عالية المخاطر.
وتعد الاقتصادات الناشئة الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، خاصة الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجي أو تعاني من معدلات تضخم مرتفعة وعجز في الميزان التجاري والحساب الجاري، حيث شهدت العديد من العملات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تراجعات ملحوظة أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة.
كما تزايدت المخاوف من أن تؤدي هذه الضغوط إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي على الحكومات والشركات في الأسواق الناشئة، وهو ما قد يدفع بعض البنوك المركزية إلى العودة مجددًا لرفع أسعار الفائدة من أجل حماية عملاتها المحلية والسيطرة على معدلات التضخم، رغم التأثيرات السلبية المحتملة على معدلات النمو الاقتصادي والاستثمار.
وأكد خبراء اقتصاد أن استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يؤدي إلى مزيد من التقلبات والاضطرابات في الأسواق المالية العالمية، خاصة مع اتجاه المستثمرين نحو الدولار الأمريكي باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين، وهو ما يزيد الضغوط على الأصول والعملات في الدول الناشئة.
وأشار محللون إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تباينًا واضحًا في قدرة الاقتصادات الناشئة على مواجهة هذه التحديات، حيث ستكون الدول التي تمتلك احتياطيات نقدية قوية وسياسات مالية أكثر مرونة أقل تعرضًا للصدمات، مقارنة بالدول التي تعاني من ضعف الاحتياطيات وارتفاع مستويات الديون الخارجية.

