النمو الرقمي يوجه نحو التطوير العقاري
هل ابتعدت شركات التمويل العقاري المصري عن دورها الأساس؟
يشهد قطاع التمويل العقاري في مصر تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، بعدما اتجهت غالبية الشركات العاملة بالسوق إلى التركيز على شراء محافظ المطورين العقاريين بدلاً من التوسع في تمويل الأفراد الراغبين في شراء الوحدات السكنية. هذا التحول أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة النشاط الحالي، وما إذا كانت شركات التمويل العقاري ما تزال تؤدي دورها التقليدي في دعم التملك العقاري، أم أنها تحولت تدريجياً إلى أداة لتوفير السيولة للمطورين العقاريين.
وبحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، ارتفعت قيمة التمويلات العقارية في السوق المصرية إلى نحو 42.6 مليار جنيه بنهاية 2025، مقارنة بنحو 10.4 مليار جنيه فقط في 2023، وهو نمو ضخم يعكس تسارع نشاط الشركات بصورة لافتة.
لماذا اتجهت الشركات لشراء محافظ المطورين؟
التحول الأكبر داخل السوق جاء من خلال اعتماد شركات التمويل العقاري على شراء محافظ الأقساط والشيكات الخاصة بالمطورين العقاريين، والتي أصبحت تمثل ما بين 68% و75% من إجمالي النشاط خلال السنوات الأخيرة.
ويعني ذلك ببساطة أن شركات التمويل لم تعد تركز فقط على منح قروض مباشرة للأفراد، بل أصبحت تشتري الحقوق المالية المستقبلية الخاصة بالمطورين، مقابل منحهم سيولة نقدية فورية تساعدهم على استكمال المشروعات أو التوسع في استثمارات جديدة.
ويرى خبراء أن السبب الرئيس وراء هذا الاتجاه يعود إلى ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة التمويل، وهو ما أدى إلى تراجع الطلب على التمويل الفردي، ودفع الشركات إلى البحث عن صفقات أكبر وأسرع مع المطورين العقاريين.
وقال محمد سمير إن بعض شركات التمويل أصبحت تعتمد بنسبة تصل إلى 80% على شراء محافظ المطورين، نظراً لأنها تحقق عوائد أسرع وتحتاج إلى إجراءات أقل مقارنة بتمويل الأفراد.

هل أصبح المطور العقاري بديلاً للبنوك؟
مع تراجع التمويل المباشر للأفراد، توسع المطورون العقاريون في تقديم أنظمة تقسيط طويلة الأجل تصل أحياناً إلى 10 و12 عاماً، ما جعلهم يقومون فعلياً بدور جهات التمويل داخل السوق العقارية.
ويرى الخبير العقاري عبد الرحمن خليل أن هذا التوجه أدى إلى ابتعاد شركات التمويل العقاري عن دورها الأساسي، وهو دعم المواطنين في تملك الوحدات السكنية.
وأضاف أن النشاط الحالي بات أقرب إلى إدارة المحافظ المالية وشراء الشيكات، وليس التمويل العقاري التقليدي المعروف عالمياً، خاصة أن النسبة الأكبر من التمويلات تذهب للمطورين وليس للأفراد.
وأشار إلى أن السوق العقارية المصرية، التي تتجاوز قيمتها 3 تريليونات جنيه سنوياً، ما تزال تعتمد بشكل أساسي على أنظمة التقسيط المباشر من الشركات العقارية، في ظل محدودية دور البنوك وشركات التمويل في تمويل المشترين.
هل يمثل النشاط الحالي نوعاً من “التوريق”؟
رغم تشابه الفكرة مع عمليات التوريق المالي، يؤكد خبراء أن ما يحدث حالياً لا يُصنف قانونياً كتوريق كامل، لأن التوريق التقليدي يعتمد على تحويل العقود المضمونة برهون عقارية إلى أوراق مالية قابلة للتداول.
أما النموذج الحالي فيعتمد بشكل أكبر على شراء الشيكات والحقوق المالية المستقبلية الخاصة بالمطورين، مع خضوع هذه العمليات لضوابط رقابية صارمة من الهيئة العامة للرقابة المالية.
ومن بين أهم الشروط الرقابية، أن تكون الوحدات قد تم الانتهاء من إنشائها وتسليمها، مع وجود سجل ائتماني جيد للعملاء وانتظام السداد لفترة لا تقل عن عام.
منافسة قوية ونمو متسارع داخل السوق
التوسع الكبير في هذا النشاط دفع العديد من الشركات لدخول السوق، حيث ارتفع عدد شركات التمويل العقاري من نحو 14 شركة قبل سنوات إلى 29 شركة حالياً، وسط منافسة متزايدة على شراء المحافظ العقارية الكبرى.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاتجاه سيعتمد بشكل كبير على مسار أسعار الفائدة وحركة السوق العقارية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع احتياج المطورين المستمر للسيولة في ظل ارتفاع تكاليف البناء والتشغيل.
