أوروبا تتجه نحو الغاز الأمريكي.. اعتماد قياسي يهدد أمن الطاقة العالمي
تشهد سوق الطاقة الأوروبية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران، ما يدفع القارة العجوز إلى زيادة اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى مستويات قياسية خلال العام الجاري، وفقاً لتقارير صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة في الطاقة. ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة بعيداً عن مصادر تقليدية باتت أكثر تقلباً.
الولايات المتحدة تتصدر مشهد إمدادات الغاز
أفاد معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (the Institute for Energy Economics and Financial Analysis) بأن أوروبا قد تحصل على ما يقرب من ثلثي وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وهو أعلى مستوى مسجل حتى الآن، ما يعكس تحولاً جذرياً في خريطة الإمدادات العالمية للطاقة.
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قد تتفوق على النرويج، التي تُعد حالياً أكبر مورد للغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا، في إجمالي الحصة السوقية للغاز، مدفوعة بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتوسع قدرات التصدير الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
أوروبا بين تنويع الإمدادات ومخاطر التبعية الجديدة
منذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة رسم استراتيجيته في مجال الطاقة، عبر تنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على مورد واحد. وقد لعب الغاز الطبيعي المسال الأمريكي دوراً محورياً في تعويض الانخفاض الحاد في تدفقات الغاز الروسي عبر الأنابيب.
إلا أن هذا التحول، وفق محللين، لم يخلُ من المخاطر، حيث حذّر مسؤولون وخبراء من أن أوروبا قد تنتقل من “تبعية الطاقة الروسية” إلى “تبعية جديدة للغاز الأمريكي المسال”، وهو ما قد يعمّق هشاشة السوق الأوروبية أمام تقلبات الأسعار العالمية.
وتزداد المخاوف مع ارتفاع اعتماد الاتحاد الأوروبي على سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، التي تتسم بالتقلب الشديد، خاصة خلال فترات التوترات الجيوسياسية مثل الحرب الدائرة في إيران، والتي تؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد والتسعير.
النرويج عند سقف الإنتاج والولايات المتحدة في صعود مستمر
لا تزال النرويج لاعباً رئيسياً في سوق الغاز الأوروبية، حيث تشكل نحو 30% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز خلال الربع الأول من العام الجاري، مستفيدة من تراجع الإمدادات الروسية. إلا أن إنتاجها بلغ مستويات قريبة من الطاقة القصوى، ما يحد من قدرتها على زيادة الإمدادات مستقبلاً.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة توسيع حصتها في السوق الأوروبية، إذ ارتفعت مساهمتها إلى 29% خلال الفترة نفسها، مع توقعات بتجاوزها النرويج في حال استمرار اضطرابات الإمدادات العالمية أو تعطل صادرات بعض الدول المنتجة مثل قطر نتيجة تداعيات الحرب في إيران.

طفرة أمريكية في صادرات الغاز المسال
تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة عززت موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، حيث استحوذت على نحو 58% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وتركيا في العام الماضي، وارتفعت هذه النسبة إلى 63% خلال الربع الأول من العام الحالي.
وتتوقع التقارير أن تصل حصة الغاز الأمريكي من واردات الاتحاد الأوروبي وحده إلى نحو 80% بحلول عام 2028، ما يعكس تحولاً طويل الأمد في هيكل سوق الطاقة الأوروبية، مدفوعاً بزيادة الاستثمارات الأمريكية في قطاع التسييل والتصدير.
روسيا تبقى في المشهد رغم القيود
ورغم العقوبات الأوروبية المتزايدة، لا تزال روسيا تحتفظ بحضور في سوق الغاز الأوروبية، حيث سجلت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال مستويات قياسية خلال الربع الأول من العام الجاري. إلا أن هذا الوضع مرشح للتغير مع دخول الحظر الأوروبي الكامل على الوقود الروسي حيز التنفيذ مطلع العام المقبل، ما قد يعيد تشكيل خريطة الإمدادات بشكل أعمق.
تبدو أوروبا اليوم أمام معادلة معقدة: تأمين الطاقة عبر بدائل سريعة وموثوقة من جهة، وتجنب الوقوع في تبعية جديدة من جهة أخرى. وبين الولايات المتحدة والنرويج وروسيا وقطر، تتشكل خريطة طاقة جديدة تتأثر بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب في إيران، التي أعادت تسعير المخاطر في أسواق الغاز العالمية.
