الأربعاء 13 مايو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

العمر بيضيع في الأقساط.. كيف ضاعت رواتب المصريين عبر فخ «بدون مقدم»

الأربعاء 13/مايو/2026 - 11:56 ص
بانكير

لم يعد التقسيط في حياة المصريين مجرد وسيلة لشراء سيارة أو شقة كما كان في الماضي، بل تحول بهدوء ليصبح "شريكاً ثالثاً" في الراتب الشهري، يقتسم مع الأسرة لقمة عيشها واحتياجاتها اليومية. 

وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل فرضته ضغوط اقتصادية جعلت من "الشراء النقدي" حلماً بعيد المنال لقطاع واسع من الطبقة الوسطى، ليجد المواطن نفسه محاصراً بين نارين: نار الغلاء المتسارع الذي يلتهم المدخرات، ونار "الديون الناعمة" التي تضمن له استمرار الحياة لكنها ترهن مستقبله لسنوات قادمة.

87 مليار جنيه تمويلات استهلاكية في 2025

وتكشف لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الرقابة المالية عن حجم هذا الانفجار في ثقافة الاستدانة؛ حيث حصل نحو 10.8 مليون مصري على تمويلات استهلاكية بقيمة تجاوزت 87 مليار جنيه خلال أول 11 شهراً من عام 2025. 

المثير في هذه الأرقام أنها لم تعد ترتبط بمظاهر الرفاهية، بل أصبحت تعكس صراعاً من أجل البقاء وتأمين الضروريات، حيث استحوذت الأجهزة الكهربائية وحدها على مليارات الجنيهات، مما يعكس عجز الدخول عن مواكبة قفزات الأسعار، ويجعل من "القسط الشهري" هو المعيار الوحيد الذي يقيس به المصريون قدرتهم على العيش.

فخ “ قسط بدون مقدم”

لقد نجحت شركات التمويل وتطبيقات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" في إعادة رسم خريطة الاستهلاك داخل البيت المصري عبر شعارات مغرية مثل "بدون مقدم" و"أول قسط بعد 3 شهور". 

وهذه الثقافة الجديدة خلقت نوعاً من الاقتصاد الذي ينمو على افتراضات المستقبل؛ فالموظف لم يعد ينظر إلى إجمالي ثمن السلعة بقدر ما ينظر إلى قدرة راتبه على تحمل استقطاع جديد. 

وهذا النمط جعل الرواتب الشهرية مجرد "محطة عبور" تدخل الحسابات البنكية لتخرج منها فوراً إلى حسابات شركات التمويل، في رحلة دائرية تبدأ وتنتهي قبل أن يلمس الموظف راتبه فعلياً، مما يترك الأسر في حالة جفاف دائم من السيولة النقدية.

أقساط الموبايل خراب بيوت

وويعد "الهاتف المحمول" هو المثال الأبرز لهذا التحول السلوكي؛ فبعد أن كان أداة للتواصل، أصبح ضرورة للعمل والدراسة، مما دفع الملايين لشرائه بالتقسيط رغم الفوائد التي قد تزيد من ثمنه بنسبة تقترب من الربع.

 واللافت أن الدافع وراء هذا الإقبال ليس فقط الحاجة، بل هو "الخوف من غدٍ أغلى"، حيث يرى الكثيرون أن شراء المنتج اليوم بالتقسيط بفوائده المرتفعة يظل "أرحم" من انتظار توفير ثمنه نقداً في وقت قد يتضاعف فيه السعر مرات ومرات، وهي العقلية التي ترسخت مع تآكل القوة الشرائية للجنيه أمام موجات التضخم المتتالية.

وفي الوقت الذي يتوقع فيه الخبراء أن يتضاعف حجم سوق التمويل الاستهلاكي في مصر ليصل إلى مليارات الدولارات بحلول عام 2031، يظل القلق قائماً من تبعات هذا الاعتماد المفرط على الديون.

 فكلما زاد عدد الأقساط، تزايدت الضغوط النفسية والاجتماعية على رب الأسرة، وأصبح أي طارئ اقتصادي بمثابة تهديد مباشر للاستقرار.

ويبدو أنها ستظل دائرة مفرغة يضيع فيها العمر بين انتظار الراتب وسداد الأقساط، مما يحول الحياة إلى سلسلة من الالتزامات المالية التي لا تنتهي، ويجعل من "الاستقرار المالي" هدفاً بعيد المنال في ظل اقتصاد بات يتنفس بوقود الديون المؤجلة.