الذهب يواصل خسائره للجلسة الرابعة.. النفط والتضخم يربكان الأسواق وترقب لقرار الفيدرالي
واصلت أسعار الذهب تراجعها في الأسواق العالمية خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مسجلة انخفاضًا للجلسة الرابعة على التوالي، في ظل ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع ترقب المستثمرين اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، بحثًا عن إشارات جديدة بشأن اتجاه أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.1% ليسجل 4119.37 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:16 بتوقيت جرينتش، كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بالنسبة نفسها، لتصل إلى 4137 دولارًا للأوقية.
وتأتي هذه التحركات وسط تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي تؤثر في توجهات المستثمرين، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الطاقة، ومخاطر اضطراب إمدادات النفط من الشرق الأوسط، والتوقعات المتعلقة بالسياسة النقدية الأمريكية، فضلًا عن تحركات الدولار والعوائد على الأصول المنافسة للذهب.
ارتفاع النفط يعزز مخاوف التضخم ويضغط على الذهب
تزامن انخفاض المعدن الأصفر مع صعود أسعار النفط، مدفوعًا بمخاوف تتعلق بإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، بعدما سجل خام برنت خلال تعاملات الثلاثاء مستوى 111.99 دولار للبرميل، وهو أعلى سعر له منذ 20 مايو، وسط تزايد القلق بشأن المخاطر التي تواجه حركة الشحن في البحر الأحمر والتهديدات المحتملة للبنية التحتية النفطية في السعودية.
ويثير ارتفاع أسعار الخام مخاوف الأسواق من استمرار الضغوط التضخمية، إذ يؤدي صعود أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويزيد صعوبة مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم.
وفي هذا السياق، قال باس كويجمان، الرئيس التنفيذي ومدير الأصول في شركة «دي إتش إف كابيتال»، إن تجدد ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية وتعزيز التوقعات باتباع سياسة نقدية أكثر تشددًا، وهو ما قد يضع أسعار الذهب تحت ضغوط إضافية خلال الفترة المقبلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسواق، لأن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو تبني توجهات أكثر تشددًا لمواجهة التضخم، وهو ما ينعكس على جاذبية الذهب مقارنة بالأصول التي توفر عائدًا.
اجتماع الفيدرالي الأمريكي يحدد توقعات أسعار الفائدة
تتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر عقده يومي 27 و28 أكتوبر، وسط ترقب لما قد يكشف عنه من مؤشرات بشأن قرارات أسعار الفائدة المقبلة، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم وتباين المؤشرات الاقتصادية الأمريكية.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، على أن يعاود الفيدرالي رفعها في ديسمبر المقبل.
وفي السياق نفسه، أظهرت بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبر بلغت نحو 15%، مقابل 88% لاحتمال رفعها في ديسمبر.
وتؤثر توقعات السياسة النقدية بصورة مباشرة في تحركات الذهب، نظرًا إلى أن المعدن النفيس لا يدر عائدًا دوريًا لحائزيه، ما يجعل ارتفاع أسعار الفائدة عاملًا يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، مقارنة بالأصول الاستثمارية التي تحقق عوائد، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب عليه.
وفي المقابل، فإن انخفاض احتمالات رفع أسعار الفائدة أو استبعاد بعض الزيادات المتوقعة خلال الفترات المقبلة قد يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من مكاسبه، خاصة إذا أدى ذلك إلى تخفيف الضغوط المرتبطة بالعوائد على الأصول المنافسة.
وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة «تاست لايف»، إن استبعاد بعض الزيادات المتوقعة في أسعار الفائدة خلال العام المقبل، أو تراجع احتمالات تنفيذها، قد يدفع أسعار الذهب إلى الارتفاع، في ظل تأثر المعدن النفيس بتوقعات مسار السياسة النقدية الأمريكية.
بيانات التضخم والدولار ترسم ملامح تحركات الذهب المقبلة
إلى جانب اجتماع الفيدرالي، يترقب المستثمرون صدور بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكية الأسبوع المقبل، وهو المؤشر الذي يفضله مجلس الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم وتقييم مدى التقدم نحو مستهدفه البالغ 2%.
ومن المنتظر أن تسهم هذه البيانات في توضيح اتجاه الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأمريكي، وتحديد ما إذا كانت التطورات تستدعي استمرار السياسة النقدية المشددة لفترة أطول، أم أن تباطؤ التضخم قد يتيح مجالًا لتخفيف القيود النقدية مستقبلًا.
وتزداد أهمية البيانات المرتقبة في ظل ارتفاع أسعار النفط والمخاوف من اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة أن يعرقل تراجع التضخم، ويدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن أسعار الفائدة والعوائد على الأصول الأمريكية.
كما استقر مؤشر الدولار الأمريكي بعد الخسائر التي سجلها خلال الفترة الأخيرة، في تطور يضيف عاملًا آخر إلى حسابات المستثمرين في سوق الذهب.
وعادة ما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء المعدن النفيس بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما قد يحد من الطلب العالمي عليه، بينما يمكن أن يسهم تراجع العملة الأمريكية في تعزيز جاذبيته لدى المستثمرين خارج الولايات المتحدة.
وبذلك، تظل حركة الذهب خلال الأيام المقبلة مرهونة بتفاعل الأسواق مع تطورات أسعار النفط، والبيانات الأمريكية المرتبطة بالتضخم، والتوجهات المحتملة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، إلى جانب تحركات الدولار. وستحدد هذه العوامل مجتمعة مدى استمرار الضغوط على المعدن الأصفر أو قدرته على استعادة اتجاهه الصعودي خلال الفترة المقبلة.
