الإثنين 19 أكتوبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
أخبار

بين خفض الأسعار وتأجيل البيع.. المستثمرون يواجهون أزمة جديدة في سوق العقارات التجارية

الإثنين 19/أكتوبر/2026 - 12:51 م
عقارات
عقارات

تواجه سوق العقارات التجارية العالمية ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات، في تطور يهدد بتعطيل التعافي الهش للقطاع بعد سنوات من تباطؤ النشاط. وأعاد ارتفاع تكاليف الاقتراض ومخاوف التضخم المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط حسابات المستثمرين، ودفع بعض المشترين إلى إعادة التفاوض على صفقات سبق الاتفاق عليها، والمطالبة بخصومات سعرية، بينما فضّل آخرون تأجيل البيع أو تعليق المعاملات انتظارًا لتحسن الظروف.

وكانت أحجام صفقات العقارات التجارية مرشحة للانتعاش خلال العام الحالي، بعد فترة من ضعف النشاط أعقبت الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة عام 2022. لكن صعود عوائد السندات وارتفاع تكلفة التمويل أعادا حالة الحذر إلى السوق، مع تزايد المخاوف من إتمام صفقات بأسعار لم تعد تتناسب مع الأوضاع التمويلية الجديدة.

عوائد السندات تضغط على تقييمات العقارات

قال رونالد ديكرمان، رئيس شركة الاستثمار «ماديسون إنترناشونال ريالتي»، إن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل تراجع قيم العقارات احتمالًا مرجحًا، موضحًا أن المشترين الذين اتفقوا على صفقات قبل أشهر قد يعيدون النظر في الأسعار إذا ارتفعت تكاليف الاقتراض بصورة مفاجئة.

وتتأثر العقارات التجارية بتحركات عوائد السندات طويلة الأجل، نظرًا إلى اعتماد شراء الأصول وتطوير المشروعات على التمويل المقترض. ومع ارتفاع تكلفة التمويل، تتراجع جاذبية بعض الاستثمارات، وتزداد الضغوط على تقييمات العقارات، ما يوسع الفجوة بين الأسعار التي يتمسك بها البائعون والعروض التي يقدمها المشترون.

ومنذ اندلاع الحرب في إيران، ارتفعت عوائد السندات إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة. وتجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، مقارنة بنحو 4% في نهاية فبراير، مسجلًا خلال الشهر الحالي أعلى مستوى له منذ عام 2002.

وفي بريطانيا، بلغ عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات 5.53%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، ما يعكس اتساع الضغوط التمويلية التي تواجه المستثمرين في الأسواق العقارية.

خصومات تصل إلى 5% لإتمام الصفقات

دفعت الزيادة المفاجئة في تكاليف التمويل بعض المستثمرين إلى إعادة التفاوض على أسعار صفقات قائمة، مع المطالبة بتخفيضات بنسب أحادية الرقم. وفي إحدى الحالات، حاولت شركة الحصول على خصم قدره 5% على صفقة بقيمة 100 مليون دولار لشراء أصل صناعي، بعدما جرى الاتفاق عليها قبل ثلاثة أشهر.

وامتدت الضغوط إلى صفقات أصغر في السوق البريطانية؛ إذ جاءت العروض المقدمة خلال الجولة الثانية لبيع مستودع أقل من العروض التي تلقاها البائع في الجولة الأولى، وفقًا لشخص مطلع على المعاملة.

وقال ديفيد تيرنر، الشريك المؤسس لشركة الاستشارات العقارية «دي تي آر إي»، إن المشترين الذين اتفقوا مبدئيًا على صفقات خلال الصيف، ويحتاجون إلى الاقتراض لاستكمالها، يحاولون حاليًا إعادة التفاوض على الأسعار، ما يضع البائعين أمام خيارات صعبة بين قبول الخصومات أو تأجيل البيع.

وتكشف هذه التطورات عن تغير سريع في حسابات السوق؛ فالسعر الذي كان مقبولًا عند الاتفاق على الصفقة قد يصبح أقل جاذبية بعد ارتفاع تكلفة التمويل، خصوصًا في الاستثمارات التي تعتمد على الاقتراض لتحقيق العائد المستهدف.

ارتفاع الفائدة يؤخر مبيعات الأصول العقارية

لا تقتصر التداعيات على خفض الأسعار، بل تمتد إلى إطالة الوقت اللازم لإتمام عمليات البيع. وحذر تشارلي غرين، الرئيس التنفيذي لشركة «وورك سبيس» المتخصصة في تأجير المكاتب المرنة، من أن عمليات بيع الأصول التي تنفذها الشركة قد تستغرق وقتًا أطول، بسبب ارتفاع الفائدة وتلقي عروض ترى الشركة أنها تقل عن القيمة المناسبة.

وأكد غرين أن الشركة ستواصل البيع وفقًا لمعاييرها الاستثمارية، ولن تمضي في الصفقات إلا عند الأسعار التي تعتقد أنها تحقق أقصى قيمة للمساهمين.

وفي مؤشر على تنامي القلق داخل القطاع، وصف مصرفي استثماري متخصص في العقارات الأجواء خلال مؤتمر للقطاع في مدينة ميونيخ، عُقد في وقت سابق من الشهر، بأنها «قاتمة»، مشيرًا إلى أن المشاركين يشعرون بقلق بالغ إزاء احتمال انهيار الصفقات، وأن النقاش بات يدور حول توقيت تعثرها أكثر من احتمالية حدوث ذلك.

ويرى بعض العاملين في السوق أن التطورات الحالية تذكّر بتصحيح عام 2022، عندما ارتفعت أسعار الفائدة عقب الحرب في أوكرانيا وإعلان الموازنة المصغرة لحكومة ليز تراس في بريطانيا، ما أدى إلى تراجع أسعار العقارات. لكن المخاوف تتزايد هذه المرة من أن تكون معالجة التحديات الاقتصادية العالمية أكثر صعوبة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على حلول سريعة.

المستثمرون يفضلون الاحتفاظ بالأصول بدلًا من البيع بخسارة

مع تراجع الأسعار وارتفاع تكاليف التمويل، لا يرغب كثير من المستثمرين في بيع أصولهم بأقل من تكلفة شرائها وتسجيل خسائر فورية. وقال روبرت تايلور، رئيس الأبحاث في «دي تي آر إي»، إن معظم مالكي الأصول اللوجستية يفضلون تأجيل البيع بدلًا من قبول أسعار منخفضة، وهو ما يسهم في تراجع أحجام التداول.

وفي ظل استمرار عدم اليقين، يتجه بعض المستثمرين إلى الاحتفاظ بالعقارات لفترات أطول، مع إعادة تأهيلها أو تطويرها والتركيز على تحسين العوائد الإيجارية بدلًا من طرحها للبيع في ظروف غير مواتية.

وقال كريس بيلغريم، رئيس أسواق رأس المال في شركة «أفيسون يونغ» للاستشارات العقارية، إن حالة عدم اليقين العالمية تدفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بالعقارات وإعادة تموضعها وتجديدها والعمل على تحسين أدائها الإيجاري.

ومع ذلك، يتوقع العاملون في القطاع استمرار نمو الإيجارات في العقارات السكنية والمكاتب الرئيسية، وهو ما قد يعوض جزءًا من أثر ارتفاع أسعار الفائدة. كما أشاروا إلى أن إعادة تسعير الصفقات الحالية لم تصل حتى الآن إلى المستويات التي شهدها السوق خلال تصحيح عام 2022.

البناء المكتبي في بريطانيا يظل قرب أدنى مستوياته

تنعكس حالة الحذر أيضًا على مشروعات التطوير العقاري الجديدة، التي لا تزال محدودة في ظل استمرار الضبابية بشأن تكاليف التمويل واتجاهات السوق.

ووفقًا لبيانات شركة «كوستار غروب»، ارتفعت المساحات المكتبية التي بدأ بناؤها في بريطانيا خلال الربع الثالث إلى نحو 1.3 مليون قدم مربعة، بزيادة 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

لكن رغم هذه الزيادة الفصلية، لا تزال بدايات إنشاء المكاتب على أساس سنوي متحرك قريبة من أدنى مستوياتها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ما يعكس استمرار ضعف نشاط التطوير العقاري.

كما تراجعت مبيعات مباني المكاتب في بريطانيا إلى أدنى مستوياتها خلال عام في الربع الثالث، بينما ارتفع متوسط الوقت اللازم لبيع مبنى مكتبي إلى أعلى مستوى منذ عام 2021.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات لا يضغط فقط على تقييمات العقارات والأسعار المتفق عليها، بل يؤثر أيضًا في سرعة إتمام الصفقات وحجم التداول وقرارات الاستثمار والتطوير الجديدة. وبينما يحاول المشترون الحصول على خصومات تعكس تكلفة التمويل المرتفعة، يتمسك البائعون بقيم أصولهم، لتظل قدرة السوق على التعافي مرتبطة بتطورات الفائدة والتضخم واستقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية.