قراءة تحليلية في أبعاد الاقتصاد الموازي بمصر ومسارات دمجه لتحقيق العدالة الضريبية
يُعد ملف الاقتصاد الموازي أحد أبرز التحديات والفرص الاستراتيجية أمام الاقتصاد المصري، نظراً لارتباطه الوثيق بمساعي توسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز الشمول المالي، ودمج الأنشطة غير الرسمية في قلب المنظومة الاقتصادية الرسمية، بما يضمن توفير بيئة عمل مستدامة ومحفزة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
ويُقصد بهذا الاقتصاد مجموعة الأنشطة التي تُدار خارج إطار التسجيل الرسمي كلياً أو جزئياً، وتفتقر للخضوع الكامل للقواعد المنظمة للنشاط المالي والتجاري، وتشمل الورش والمصانع المصغرة والمحال والباعة والمهن الحرة؛ وهو ما لا يعني بالضرورة عدم شرعيتها، إذ يعمل كثير منها بطرق مشروعة ولكنه يعاني من قصور في استيفاء التراخيص والالتزامات الضريبية.
يحمل التحول إلى الاقتصاد الرسمي حزمة من المكاسب الجوهرية، في مقدمتها دعم الموازنة العامة عبر توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل وزيادة حصيلة الإيرادات دون إرهاق الملتزمين وحدهم.
كما يسهم الدمج في رفع دقة التخطيط الاقتصادي من خلال قياس حجم النشاط الحقيقي بدقة، فضلاً عن تمكين المشروعات الصغيرة من التعامل المصرفي، والحصول على التمويل، وإثبات نشاطها لفتح باب التعاقد مع الشركات الكبرى والانخراط في سلاسل الإمداد والتصدير والاستفادة من حزم الدعم الحكومي.
ولا تقتصر هذه العوائد على الجانب المالي، بل تمتد لحماية العمالة عبر توسيع مظلة التأمينات الاجتماعية، والقضاء على المنافسة غير العادلة بين الشركات الملتزمة والمنشآت المتهربة، وتهيئة بيئة ملائمة لرفع الكفاءة الإنتاجية وتحقيق النمو المستدام.
تتفاوت الأرقام والتقديرات الخاصة بحجم هذا القطاع في مصر بناءً على معايير القياس وفترات الدراسات، مما يحتم ربط أي رقم متداول بمصدره مع إدراك أن إجمالي الناتج غير الرسمي لا يترجم بالضرورة كاملاً إلى حصيلة ضريبية.
وتبرز هنا عدة تحديات تعيق عملية الدمج، أبرزها ارتفاع تكلفة الامتثال، بيروقراطية الإجراءات، ضعف الوعي بالمزايا، ومخاوف أصحاب الأنشطة من الالتزامات المالية السابقة.
ومن ثم، فإن نجاح التجربة يعتمد على إيجاد معادلة متوازنة تقوم على تبسيط التراخيص، وتقديم حوافز جاذبة، والتوسع في الدفع الإلكتروني، وتطبيق القواعد بصورة عادلة ومتدرجة تحمي المشروعات من الانكماش.








