الأربعاء 14 أكتوبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
بنوك خارجية

«إل نينيو» تهدد بإشعال موجة تضخمية جديدة.. هل تضطر البنوك المركزية لرفع الفائدة؟

الأربعاء 14/أكتوبر/2026 - 09:52 ص
ظاهرة إل نينيو
ظاهرة إل نينيو

تواجه البنوك المركزية في آسيا اختبارًا جديدًا مع تصاعد تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» المناخية، التي تهدد بتفاقم الجفاف وتراجع المحاصيل وارتفاع أسعار السلع، في وقت لا تزال فيه السلطات النقدية تتعامل مع تداعيات أزمات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة حدّت من قدرتها على المناورة.

وبحسب ما أوردته وكالة «بلومبرج»، تضيف موجة الجفاف الحالية ضغوطًا جديدة إلى التحديات التي واجهت صناع السياسة النقدية خلال السنوات الماضية، بدءًا من موجة التضخم التي أعقبت إعادة فتح الاقتصادات بعد جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالرسوم الجمركية الأمريكية واسعة النطاق، وصولًا إلى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة على خلفية الحرب مع إيران.

وتأتي هذه التطورات لتضع البنوك المركزية أمام صدمة مختلفة، إذ وصف أحد صناع السياسات تأثيرات «إل نينيو» بأنها تشبه «جودزيلا»، في إشارة إلى حجم المخاطر المحتملة التي قد تطال الاقتصادات والأسواق العالمية.

ظاهرة مناخية تهدد بتجاوز المستويات القياسية

تشير تقديرات خبراء أمريكيين إلى أن النمط المناخي الحالي، الذي تسبب في موجات جفاف بأجزاء من جنوب آسيا وجنوب شرقها، قد يزداد قوة، وربما يتجاوز المستويات القياسية المسجلة منذ عام 1950.

ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على نقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى أسواق السلع الأساسية، وفي مقدمتها الأرز، فضلًا عن تأثيراتها المحتملة على حركة التجارة العالمية وتكاليف النقل.

وقد يؤدي انخفاض مستويات المياه إلى إبطاء حركة الملاحة في قناة بنما، ما يرفع تكاليف الشحن على الشركات ويضيف ضغوطًا جديدة إلى سلاسل الإمداد.

كما بدأت التقلبات المناخية تنعكس على قرارات السياسة النقدية في المنطقة؛ إذ كان ضعف الرياح الموسمية أحد العوامل التي دفعت بنك الاحتياطي الهندي إلى رفع أسعار الفائدة، وفقًا لما ورد في التقرير.

وتواجه البنوك المركزية معضلة أساسية تتمثل في تحديد طبيعة هذه الصدمة ومدى استمرارها: هل تظل تأثيرات الجفاف اضطرابًا مؤقتًا تنحسر آثاره مع تحسن الظروف المناخية، أم تتحول إلى عامل مستدام يغير قرارات الشركات والمستهلكين ويُبقي التضخم مرتفعًا لفترة أطول؟

عوائد السندات ترتفع وهامش المناورة يتقلص

تُظهر تحركات الأسواق مؤشرات على عودة الضغوط التضخمية، ما يقلص المساحة المتاحة أمام صناع السياسة النقدية للانتظار قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الفائدة.

وارتفعت عوائد السندات في تايلاند والفلبين، فيما صعدت أسعار الفائدة السوقية طويلة الأجل في الهند إلى أعلى مستوياتها خلال نحو ثلاث سنوات، عقب انتقال بنك الاحتياطي الهندي إلى موقف أكثر تشددًا.

وفي الفلبين، زادت بيانات التضخم من تعقيد المشهد، بعدما تجاوز معدل التضخم 7% في أغسطس، عقب تباطؤ استمر أربعة أشهر، وهو ما يعزز الضغوط باتجاه تشديد السياسة النقدية.

وتكمن المخاطرة في تزامن الصدمات الاقتصادية وتداخل تأثيراتها؛ فبينما تستطيع البنوك المركزية التعامل مع صدمة منفردة أو اثنتين دون تغيير مسارها، فإن تراكم الضغوط وتغذية بعضها لبعض قد يقلص فرص الانتظار ويرفع تكلفة التأخر في الاستجابة.

وتواجه بعض السلطات النقدية، التي أحجمت عن رفع الفائدة عند اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، احتمال الاضطرار إلى التحرك بوتيرة أسرع إذا استمرت الضغوط التضخمية وتفاقمت بفعل الظروف المناخية.

هل تدخل مخاطر المناخ ضمن اختصاص البنوك المركزية؟

على الرغم من المخاطر التي تفرضها التقلبات المناخية، يظل هناك فارق بين إدراج تأثيراتها ضمن تقييمات التضخم والنمو الاقتصادي، وبين تحويل التوقعات المناخية إلى أساس مستقل لصياغة السياسة النقدية.

ويُفترض أن تتمتع المؤسسات المالية الخاضعة لإشراف البنوك المركزية بالمتانة اللازمة لمواجهة تداعيات الطقس القاسي، كما أن الحرائق والفيضانات والتغيرات التي تطال الزراعة والنقل تؤثر في النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل انعكاساتها ذات صلة بتقديرات التضخم والنمو والاستقرار المالي.

لكن توسيع دور البنوك المركزية في التعامل مع هذه المخاطر يثير تساؤلات بشأن حدود اختصاصاتها، خاصة في ملف المناخ الذي شهد جدلًا حول مدى اتساع صلاحيات المؤسسات النقدية فيه.

وقد يبدو توسيع هذا الدور خيارًا مطروحًا في ظل بطء استجابة الهيئات التشريعية للتحديات البيئية، إلا أن تعثر البنوك المركزية في أداء مهامها الأساسية، وفي مقدمتها استقرار الأسعار ودعم متانة سوق العمل، قد يثير ردود فعل عكسية تجاه مبادرات أخرى، حتى عندما تستند إلى مبررات اقتصادية.

الاحتياطي الفيدرالي يتراجع وأوروبا تتمسك بإدراج المخاطر المناخية

برز الخلاف بشأن دور البنوك المركزية في قضايا المناخ بوضوح في الولايات المتحدة، حيث قلّص الاحتياطي الفيدرالي انخراطه في هذا الملف.

وبعد أيام من سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب في عام 2023، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أن البنك ليس جهة مسؤولة عن وضع السياسات المناخية، ولا يسعى إلى أن يصبح كذلك.

وقبيل تنصيب دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية، انسحب الاحتياطي الفيدرالي من شبكة تضم بنوكًا مركزية وجهات تنظيمية، وتهدف إلى دراسة المخاطر المرتبطة بالمناخ.

ويعكس هذا الموقف تمسك البنك بمهامه الأساسية، وحرصه على الحفاظ على استقلاليته في تحديد أسعار الفائدة، بعيدًا عن تحميله مسؤوليات تتجاوز تفويضه النقدي.

ولا يقتصر الجدل على الولايات المتحدة؛ فقد أوصت مراجعة مستقلة لبنك الاحتياطي الأسترالي بإدراج تغير المناخ ضمن النماذج الاقتصادية والتوقعات، مع التأكيد على أن تحديد السياسات يظل من اختصاص البرلمان.

وفي المقابل، انتقد كلاوديو بوريو، المسؤول التنفيذي السابق الذي ترأس قسم الشؤون النقدية والاقتصادية في بنك التسويات الدولية، ما اعتبره توسعًا في أهداف بعض البنوك المركزية.

وقال بوريو، قبل أيام، إن الغطرسة تسللت إلى عملية صنع السياسات، وإن فجوة خطيرة اتسعت بين ما تستطيع هذه المؤسسات تحقيقه وما يُنتظر منها.

كما اعتبر أن السعي وراء أهداف بعيدة عن التفويض الأساسي للبنوك المركزية يمثل أحد أبرز الأخطاء، مستشهدًا بأهداف «التحول الأخضر» و«النمو الشامل».

صدمات متلاحقة تختبر حدود السياسة النقدية

اعتاد محافظو البنوك المركزية عند تولي مناصبهم تلقي تذكارات من أسلافهم، مثل أكواب القهوة ذات العبارات التشجيعية أو القطع الأثرية المرتبطة بتاريخ المؤسسات التي يقودونها.

لكن طبيعة التحديات التي تواجه الجيل الحالي تبدو مختلفة؛ فبين موجات التضخم والصراعات الجيوسياسية والصدمات المناخية، تتزايد الضغوط على صناع السياسة النقدية، وتتقلص قدرتهم على التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة.

وتكشف تداعيات «إل نينيو» عن تحدٍ إضافي أمام البنوك المركزية، يتمثل في كيفية إدماج المخاطر المناخية في توقعات التضخم والنمو، من دون تجاوز حدود التفويض الممنوح لها.

ومع استمرار عدم اليقين بشأن مدة الجفاف وحجم تأثيره على أسعار الغذاء والطاقة والنقل، ستظل المعضلة قائمة بين التحرك المبكر لاحتواء الضغوط التضخمية وتجنب تشديد السياسة النقدية استجابةً لصدمة قد تكون مؤقتة.