كازاخستان تتجه لبيع جزء من احتياطيات الذهب.. هل تتراجع الأسعار عالميًا؟
تتجه كازاخستان إلى تقليص حيازاتها من الذهب للمرة الأولى بعد فترة من الشراء المكثف، في خطوة ربطها البنك الوطني بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وزيادة جاذبية الدولار، وسط تساؤلات حول احتمالات انتقال هذه الخطوة إلى بنوك مركزية أخرى وتأثيرها على أسعار المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة.
ونقلت وكالة بلومبرغ، في تقرير نشرته يوم 12 أكتوبر، عن عالية مولدابيكوفا، نائبة محافظ البنك الوطني الكازاخستاني، أن البنك يستهدف خفض حصة الذهب من إجمالي احتياطياته إلى 75% بنهاية عام 2026، مقارنة بنحو 78% حاليًا، في إطار إعادة التوازن بين الأصول الاحتياطية.
لماذا قررت كازاخستان تقليص حيازاتها من الذهب؟
أوضحت مولدابيكوفا أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية وصلت إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ فترة طويلة، ما يعزز جاذبية الدولار ويزيد المنافسة أمام الذهب باعتباره أحد الأصول الاستثمارية.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغت احتياطيات كازاخستان من الذهب نحو 386 طنًا، بما يمثل قرابة 78% من إجمالي الاحتياطيات، التي وصلت قيمتها إلى 66.4 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي.
وترى السلطات النقدية أن هذه النسبة مرتفعة، إذ يؤدي الاعتماد الكبير على أصل واحد إلى زيادة التركز داخل المحفظة الاحتياطية، في حين تحتاج البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بأصول سائلة تتيح لها التعامل مع متطلبات النقد الأجنبي والتقلبات الاقتصادية.
ولا تعني الخطة بالضرورة تصفية جزء كبير من الاحتياطي الذهبي، بل تستهدف خفض وزن الذهب داخل إجمالي الاحتياطيات إلى 75%، مع الإشارة إلى أن ارتفاع سعر المعدن الأصفر خلال الفترات الماضية أسهم في زيادة حصته بصورة حسابية.
من أكبر المشترين إلى تقليص الحيازات
تأتي الخطوة بعدما أوقفت كازاخستان مبيعات الذهب في فبراير 2025، مستفيدة من حقها في شراء الذهب المنتج محليًا، باعتبارها واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للمعدن.
ووفقًا للبيانات المشار إليها في التقرير، احتلت كازاخستان المركز الرابع بين أكبر مشتري الذهب من البنوك المركزية خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بعد بولندا والصين وأوزبكستان.
ويشير التحول إلى أن ارتفاع العوائد الأمريكية بات عاملًا مؤثرًا في قرارات إدارة الاحتياطيات، خصوصًا لدى الدول التي تمثل حيازات الذهب نسبة كبيرة من أصولها.
ووفقًا لتقديرات التقرير، قد يتطلب خفض حصة الذهب من 78% إلى 75% بيع نحو 16 طنًا، بقيمة تقارب 2.1 مليار دولار، إذا استقرت الأسعار قرب المستويات المستخدمة في الحسابات. وقد تختلف الكمية المطلوبة باختلاف حركة الأسعار قبل نهاية العام.
هل يؤثر القرار على أسعار الذهب عالميًا؟
يظل التأثير المباشر المحتمل لبيع كازاخستان محدودًا نسبيًا مقارنة بحجم سوق الذهب العالمي، لكن أهمية الخطوة تكمن في الرسالة التي تحملها بشأن تغير حسابات بعض البنوك المركزية.
فقد أضاف البنك المركزي الصيني نحو 23 طنًا إلى احتياطياته خلال سبتمبر، بينما بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 39 طنًا في أغسطس، وفقًا للأرقام الواردة في التقرير. ووصلت المشتريات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 إلى نحو 170 طنًا.
وتشير هذه الأرقام إلى تباطؤ وتيرة الشراء السيادي مقارنة بعام 2024، عندما سجلت مشتريات البنوك المركزية نحو 1045 طنًا، بمتوسط يقارب 87 طنًا شهريًا.
كما يشير التقرير إلى أن روسيا وتركيا اتجهتا إلى بيع كميات من الذهب خلال العام الجاري، في ظل احتياجات تتعلق بالسيولة والتمويل، وهو ما يضيف عاملًا جديدًا إلى حركة الطلب الرسمي على المعدن.
ومع ذلك، فإن قرار كازاخستان لا يكفي وحده للاستنتاج بأن البنوك المركزية ستتجه بصورة جماعية إلى البيع، إذ تختلف مستويات احتياطيات الذهب واحتياجات السيولة من دولة إلى أخرى.
العوائد الأمريكية تحدد مسار الذهب
تتمثل إحدى نقاط الضغط على الذهب في أنه لا يدر عائدًا دوريًا، على عكس سندات الخزانة الأمريكية التي توفر عائدًا لحائزيها. ووفقًا للتقرير، بلغ عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو 5.26%، ما يعزز المنافسة على الأموال بين الأصول المختلفة.
ويعرض التحليل ثلاثة سيناريوهات محتملة لحركة السوق:
- إعادة توازن محدودة: تبيع بعض البنوك المركزية التي تمتلك نسبًا مرتفعة من الذهب كميات محدودة، بينما تستمر دول أخرى في الشراء، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب الرسمي دون إحداث تأثير كبير في الأسعار.
- اتساع عمليات البيع: إذا ارتفعت عوائد السندات الأمريكية إلى 5.5% أو أكثر، فقد تتجه بنوك مركزية إضافية إلى إعادة توزيع احتياطياتها، وهو ما قد يقلص صافي الطلب الرسمي على الذهب ويزيد الضغوط على الأسعار.
- تزايد الحاجة إلى السيولة: في حال ارتفاع العوائد إلى مستويات أعلى، بالتزامن مع ضغوط على العملات وارتفاع تكاليف الطاقة، قد تلجأ بعض الدول إلى بيع الذهب لتوفير الدولار، بما قد يضغط على الأسعار بصورة أكبر.
وتظل هذه السيناريوهات تقديرات تحليلية وليست توقعات مؤكدة، إذ تتوقف حركة الذهب أيضًا على اتجاه الدولار، والتضخم، وأسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، ومدى استمرار الطلب الاستثماري من الأفراد والمؤسسات.
مؤشرات تحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة
يراقب المستثمرون خلال الفترة المقبلة عدة مؤشرات، أبرزها إعلانات البنوك المركزية بشأن شراء الذهب أو بيعه، والبيانات الشهرية الصادرة عن مجلس الذهب العالمي، إلى جانب تطورات عوائد سندات الخزانة الأمريكية ومؤشرات التضخم.
كما تكتسب بيانات الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية الأمريكية أهمية في تحديد مدى تحول الأموال الرسمية نحو الأصول المقومة بالدولار، بالتزامن مع متابعة أداء العملة الأمريكية وأسعار النفط وأوضاع الأسواق الناشئة.
وفي المحصلة، يمثل تحرك كازاخستان إشارة إلى أن ارتفاع العوائد الأمريكية قد يدفع بعض البنوك المركزية إلى مراجعة توزيع احتياطياتها، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء موجة صعود الذهب أو عودة الأسعار إلى مستويات محددة. ويتوقف المسار المقبل على ما إذا كان القرار سيظل حالة محدودة أم سيتحول إلى اتجاه أوسع بين البنوك المركزية.


