الخميس 17 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

مصر تتجاوز صدمة حرب إيران.. هل تنجح في كسر أزمات الدولار؟

الخميس 17/سبتمبر/2026 - 11:32 ص
بانكير

تبدو مصر أمام اختبار اقتصادي مختلف عن الأزمات السابقة، بعدما تمكن الاقتصاد من الحفاظ على مسار التعافي رغم التداعيات التي فرضتها حرب إيران على الأسواق وحركة التجارة والطاقة. 

ووفق رؤية زياد داوود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في «بلومبرغ إيكونوميكس»، فإن الحرب لم تؤد إلى نسف الزخم الذي اكتسبه الاقتصاد المصري خلال فترة التعافي من أزمة الدولار، وإنما كان تأثيرها أقرب إلى «اضطراب» اقتصادي وليس «زلزالًا» يعيد البلاد إلى نقطة البداية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند وضع التطورات الأخيرة في سياق تاريخي أوسع، إذ يشير تحليل مسار الاقتصاد المصري إلى تكرار أزمات ميزان المدفوعات، وما يتبعها عادة من برامج إصلاح، ثم تراكم الضغوط من جديد قبل الوصول إلى أزمة جديدة في سوق الصرف. 

لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى مصر لم يعد فقط كيف تتجاوز الصدمة الحالية، وإنما ما إذا كانت الإجراءات الاقتصادية الأخيرة قادرة على كسر هذه الدورة من أساسها.

لماذا جاءت صدمة الحرب مختلفة بالنسبة إلى مصر؟

ويرى داوود أن توقيت اندلاع الصراع في أواخر فبراير قد يكون أحد العوامل التي ساعدت مصر على التعامل مع تداعياته الاقتصادية بصورة أفضل، إذ جاءت الحرب بعد نحو عامين من بدء برنامج إصلاحي تحت مظلة صندوق النقد الدولي، بالتزامن مع حزمة دعم دولية قدرت بنحو 60 مليار دولار.

ويشير هذا التوقيت إلى اختلاف وضع الاقتصاد المصري عن الفترة التي سبقت أزمة 2022، عندما كانت اختلالات الاقتصاد قد تراكمت على مدى سنوات، في ظل استقرار نسبي لسعر الصرف لفترة طويلة، قبل أن تتزايد الضغوط الخارجية والداخلية.

وبحسب التحليل المطروح، فإن مصر دخلت الأزمة الأخيرة وهي في وضع اقتصادي أكثر استعدادًا لامتصاص الصدمات، بعدما شهدت السنوات السابقة إجراءات استهدفت إعادة بناء الثقة في الاقتصاد وتحسين قدرة السوق على التعامل مع تدفقات العملات الأجنبية.

ولا يعني ذلك أن الحرب لم تفرض ضغوطًا جديدة على الاقتصاد المصري، لكنها تعني أن نقطة البداية كانت مختلفة، وهو ما انعكس على حجم التأثير مقارنة بالصدمة التي تعرضت لها البلاد في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية.

أزمة الدولار.. الحلقة التي تحاول مصر كسرها

ويكشف المسار التاريخي للاقتصاد المصري عن نمط متكرر في التعامل مع أزمات ميزان المدفوعات.

تبدأ الضغوط عادة عندما تتراجع قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية اللازمة لتغطية احتياجات الاستيراد والالتزامات الخارجية، ثم تلجأ السلطات إلى إجراءات تستهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف، قبل أن تتراكم الضغوط بصورة أكبر.

ومع استمرار استخدام الاحتياطيات الأجنبية للدفاع عن سعر العملة، يمكن أن تظهر سوق موازية للعملات الأجنبية، وتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والأسعار المتداولة خارج القطاع المصرفي، لتصل الأزمة في النهاية إلى نقطة يصبح معها خفض قيمة الجنيه أمرًا أكثر صعوبة في تجنبه.

وهذا السيناريو تكرر في أوقات مختلفة داخل مصر، وهو ما يجعل الإصلاحات الحالية مرتبطة بتحدٍ يتجاوز معالجة أزمة مؤقتة، ويتمثل في بناء آلية اقتصادية تمنع عودة الاختلالات نفسها.

وفي هذا السياق، يمثل تبني سعر صرف مرن أحد أبرز التحولات في السياسة الاقتصادية، لأنه يسمح لسوق الصرف بالتفاعل بصورة أكبر مع حركة العرض والطلب بدلًا من تثبيت سعر العملة لفترات طويلة ثم الانتقال لاحقًا إلى تعديلات حادة.

ما الذي تغير في الاقتصاد المصري منذ أزمة 2022؟

وعند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، كانت مصر قد خرجت قبل سنوات قليلة من أزمة اقتصادية دفعت إلى خفض قيمة الجنيه واللجوء إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.

لكن الفارق، وفق تحليل داوود، أن الاختلالات كانت قد تراكمت مرة أخرى بحلول 2022، بعدما ظل سعر العملة مستقرًا لفترة من الزمن، وهو ما أدى إلى تضخم الضغوط التراكمية.

أما في المرحلة الحالية، فقد دخلت مصر الأزمة وهي تطبق برنامجًا إصلاحيًا جديدًا، وتتبنى سياسة أكثر مرونة في سوق الصرف، إلى جانب إجراءات تستهدف تحسين وضع المالية العامة وجذب الاستثمار وتعزيز موارد النقد الأجنبي.

ويشير ذلك إلى محاولة تغيير طريقة إدارة الأزمات بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد ظهورها.

نمو الاقتصاد يتجاوز 5% رغم الضغوط

وفي مؤشر آخر على تغير المشهد الاقتصادي، أعلن وزير المالية أحمد كوجك أن الاقتصاد المصري سجل نموًا تجاوز 5% خلال السنة المالية المنتهية في يونيو.

ويمثل ارتفاع معدل النمو أحد المؤشرات التي تتابعها الأسواق لتقييم قدرة مصر على تجاوز مرحلة التباطؤ والعودة إلى مستويات أكثر نشاطًا، خاصة مع استمرار العمل على تحسين بيئة الاستثمار ودعم دور القطاع الخاص.

كما أشار وزير المالية إلى انخفاض معدل الدين العام إلى 82.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 97% قبل ثلاث سنوات.

ويأتي هذا التراجع في وقت تشير فيه بيانات صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع متوسط الدين لدى الدول الناشئة بنسبة 14% خلال الفترة نفسها، ما يسلط الضوء على الاتجاه الذي تسعى السياسة المالية المصرية إلى تثبيته عبر خفض أعباء الدين وتحسين مؤشرات المالية العامة.

السياسة المالية أمام اختبار جديد

ولا تعتمد قدرة مصر على تجاوز الأزمات الخارجية على السياسة النقدية وسوق الصرف فقط، وإنما ترتبط أيضًا بقدرة الحكومة على ضبط المالية العامة.

وفي هذا الإطار، تؤكد الحكومة استمرارها في تبني سياسة مالية أكثر انضباطًا، مع التركيز على دعم الاستثمار الخاص وتحفيز النمو، بالتوازي مع العمل على خفض الضغوط التي تتحملها الموازنة.

وكان خفض الإنفاق على دعم الطاقة أحد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بهدف تقليل العبء على المالية العامة، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز وما يمكن أن يترتب عليه من زيادة تكلفة توفير الطاقة.

وتكشف هذه الخطوة عن محاولة لتحقيق توازن صعب بين احتياجات المواطنين والاقتصاد من ناحية، وبين ضرورة السيطرة على أعباء الموازنة والدين من ناحية أخرى.

تحويلات المصريين بالخارج تعزز موارد النقد الأجنبي

وفي المقابل، حصلت مصر على دفعة مهمة من أحد مصادر النقد الأجنبي الرئيسية، مع تسجيل تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية.

وتعد تحويلات المصريين بالخارج عنصرًا أساسيًا في قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية، خصوصًا أنها تمثل موردًا مستمرًا يمكن أن يساعد على دعم احتياجات السوق وتقليل الضغوط على القطاع المصرفي.

كما شهد سوق الدين المحلي عودة مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، بعد فترة من الضغوط وخروج أموال أجنبية من السوق.

وتكتسب هذه التدفقات أهمية بالنسبة إلى مصر لأنها تعكس درجة اهتمام المستثمرين بالسوق المصرية، كما توفر مصدرًا إضافيًا للعملات الأجنبية، وإن كانت طبيعة هذه الأموال تجعل استمرار تدفقها مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات الأسواق العالمية والسياسات النقدية الدولية.

قناة السويس تدخل معادلة النقد الأجنبي

وفي الوقت نفسه، تأثرت إيرادات قناة السويس بالتطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، مع تغير مسارات الملاحة وزيادة الاعتماد على بعض طرق النقل البحري.

وتشكل قناة السويس موردًا رئيسيًا للعملة الأجنبية بالنسبة إلى مصر، ولذلك فإن أي تغير في حركة السفن العابرة للقناة ينعكس بصورة مباشرة على تدفقات النقد الأجنبي.

وفي ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية، ظهرت تأثيرات متباينة على حركة التجارة العالمية، بينما ارتفعت إيرادات القناة في بعض الفترات نتيجة زيادة الاعتماد على هذا المسار.

ويعني ذلك أن التطورات الجيوسياسية أصبحت مرتبطة بصورة أكثر وضوحًا بحسابات الاقتصاد المصري، سواء من خلال أسعار الطاقة أو حركة التجارة أو تدفقات الاستثمار أو إيرادات قناة السويس.

هل تنجح مصر في تغيير المعادلة؟

وهنا تظهر النقطة الأهم في تقييم المرحلة الحالية: تجاوز الصدمة الخارجية لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الأزمات السابقة.

فقد تتمكن مصر من امتصاص تأثير حرب جديدة أو اضطراب في الأسواق، لكن التحدي الأكبر يتمثل في استمرار الإصلاحات التي تمنع تراكم الاختلالات مرة أخرى.

وتتطلب هذه المعادلة الحفاظ على مرونة سوق الصرف، وتعزيز موارد النقد الأجنبي، ودعم الاستثمار الخاص، وزيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد، إلى جانب استمرار ضبط المالية العامة.

كما أن تحسين بيئة الاستثمار وتوجيه الموارد إلى القطاعات القادرة على توليد العملة الأجنبية يمثلان عاملين مهمين في تقليل اعتماد الاقتصاد على التدفقات قصيرة الأجل.

ومن هذه الزاوية، فإن تعافي مصر لا يقاس فقط بمعدل النمو أو انخفاض الدين العام، وإنما بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذه المؤشرات عندما يتعرض لصدمات خارجية جديدة.

الطريق لم ينته رغم تحسن المؤشرات

ورغم التحسن الذي شهدته مؤشرات الاقتصاد المصري، فإن الطريق أمام مصر لا يزال يتطلب استمرار الإصلاحات، وهو ما أكده وزير المالية خلال المؤتمر، مشددًا على ضرورة مواصلة المسار نفسه الذي اتبعته الدولة خلال العامين الماضيين.

وتبرز أهمية هذه الرسالة في ظل استمرار المخاطر العالمية، من تغير أسعار الطاقة إلى اضطرابات التجارة الدولية وتحركات أسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التعافي الحالي إلى مسار مستدام، بحيث لا تعود الضغوط التي قادت إلى أزمات العملة في دورات سابقة.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن مصر تدخل هذه المرحلة من موقع مختلف عما كانت عليه في بداية أزمة الدولار السابقة؛ فالنمو يتجاوز 5%، والدين العام ينخفض، وتحويلات المصريين بالخارج تدعم موارد النقد الأجنبي، كما عادت استثمارات أجنبية إلى سوق الدين.

لكن استمرار هذه المؤشرات يتطلب الحفاظ على الإصلاحات وعدم العودة إلى السياسات التي تسمح بتراكم الاختلالات من جديد.

وبذلك، لا تبدو المعركة الاقتصادية الحالية في مصر مرتبطة فقط بتجاوز تداعيات حرب إيران أو أي صدمة خارجية أخرى، وإنما ترتبط بالسؤال الأكبر: هل يستطيع الاقتصاد المصري تحويل فترة التعافي إلى نقطة تحول دائمة، وكسر دورة أزمات الدولار وميزان المدفوعات التي طالما عادت بعد فترات من الاستقرار؟