رسوم النحاس تهدد خطة ترامب.. التضخم يضع البيت الأبيض أمام معادلة صعبة
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معضلة متزايدة بشأن خطتها لفرض رسوم جمركية على واردات النحاس المكرر، في ظل صراع بين رغبة البيت الأبيض في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، ومخاوف من أن تؤدي الرسوم إلى ارتفاع أسعار النحاس وتكاليف التصنيع، بما قد ينعكس على المستهلكين ويزيد الضغوط التضخمية.
ترامب أمام معادلة صعبة بين الصناعة والأسعار
لم يحسم البيت الأبيض حتى الآن قراره النهائي بشأن الرسوم، رغم انتهاء الموعد المحدد لوزارة التجارة الأمريكية لتقديم تقييمها لسوق النحاس. ويأتي التردد في وقت تضع فيه إدارة ترامب القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ضمن أولوياتها، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.
وتسعى الإدارة إلى إظهار أن سياساتها التجارية والاقتصادية تساعد على خفض تكاليف السلع، وليس زيادتها، وهو ما يجعل فرض رسوم جديدة على معدن يدخل في صناعات واسعة النطاق قرارًا حساسًا من الناحية الاقتصادية والسياسية.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الإدارة لم تتخذ قرارًا نهائيًا بشأن الرسوم، مؤكداً استمرار تقييم الخيارات المتاحة لإعادة إنتاج النحاس والمواد الحيوية الأخرى إلى الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على الإمدادات الأجنبية.
رسوم النحاس تستهدف إعادة بناء الإنتاج الأمريكي
تدرس إدارة ترامب فرض رسوم على النحاس المكرر بهدف جعل الواردات أكثر تكلفة، بما يمنح شركات التعدين والصهر والتكرير الأمريكية حافزًا لزيادة الإنتاج والاستثمار محليًا.
ويعد النحاس من المعادن الأساسية للاقتصاد الأمريكي، إذ يستخدم على نطاق واسع في البناء والنقل والإلكترونيات ومعدات الكهرباء والسيارات والعديد من الصناعات التحويلية. كما يتوقع أن يؤدي التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والدفاع والطاقة إلى زيادة الطلب العالمي على المعدن.
وتقدر «إس آند بي غلوبال» أن الطلب العالمي على النحاس قد يرتفع بنحو 50% بحلول 2040، ما يعزز أهمية تأمين الإمدادات ورفع القدرة الإنتاجية المحلية.
15% في 2027 و30% في 2028
كان ترامب قد كلف وزير التجارة هوارد لوتنيك بإجراء تقييم لسوق النحاس وتقديم توصية بشأن فرض رسوم بنسبة 15% اعتبارًا من يناير 2027، على أن ترتفع إلى 30% في عام 2028.
لكن توصية وزارة التجارة لم تُعلن حتى الآن، ما يبقي الشركات والمتعاملين أمام حالة من عدم اليقين بشأن السياسة الأمريكية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات بعد تجربة العام الماضي، عندما توقعت الأسواق فرض رسوم واسعة على المنتجات التي تحتوي على النحاس، قبل أن تنتهي الإدارة الأمريكية في يوليو 2025 إلى فرض رسوم على منتجات نصف مصنعة مثل الأنابيب والأسلاك بدلًا من تطبيق رسوم شاملة على جميع واردات النحاس.
واردات النحاس تقفز 16 ضعفًا منذ 2015
دفعت توقعات فرض الرسوم الشركات والمتعاملين إلى الإسراع في تخزين النحاس داخل الولايات المتحدة، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المعدن إلى السوق الأمريكية على حساب الأسواق الأخرى.
وارتفعت واردات الولايات المتحدة من النحاس المكرر 16 ضعفًا منذ عام 2015، بينما تراجع الإنتاج المحلي بنحو 20%، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وتستورد الولايات المتحدة نحو نصف احتياجاتها السنوية من النحاس، بينما لا تمتلك سوى مصهرين عاملين للنحاس تديرهما شركتا «فريبورت-ماكموران» و«ريو تينتو».
وفي يوليو 2026، وصلت واردات الولايات المتحدة من النحاس القادم من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مستوى قياسي بلغ 53,290 طنًا، فيما بلغت حصة الكونغو نحو 23.9% من إجمالي الواردات الأمريكية.
14 ألف دولار للطن.. الرسوم تضغط على الأسواق العالمية
لم تتوقف تداعيات السياسة الأمريكية عند حدود السوق المحلية، إذ ساهمت زيادة تدفقات النحاس إلى الولايات المتحدة في تقليص المعروض المتاح في الأسواق العالمية.
وسجل النحاس خلال الأسابيع الأخيرة مستويات قياسية، مع تجاوز سعره في بورصة لندن للمعادن 14 ألف دولار للطن، وسط مخاوف من نقص الإمدادات خارج الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن استمرار عدم حسم الرسوم يقلل من الحافز أمام المتعاملين لإعادة النحاس إلى الأسواق الدولية، ما قد يبقي جزءًا كبيرًا من المعدن مخزنًا داخل الولايات المتحدة.
الصناعة الأمريكية في مواجهة ارتفاع التكاليف
رغم أن الرسوم قد تشجع على الاستثمار في التعدين والصهر الأمريكي، فإن ارتفاع أسعار النحاس قد يمثل عبئًا على الشركات التي تعتمد عليه في إنتاج السيارات والمعدات الكهربائية ومواد البناء والمنتجات الصناعية.
وقد تنتقل زيادة التكلفة في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات، ما يضع إدارة ترامب أمام معادلة صعبة: ففرض الرسوم يمكن أن يعزز الأمن الصناعي وتقليل الاعتماد على الخارج، لكنه قد يرفع في المقابل تكلفة الإنتاج ويزيد الضغوط على التضخم.
وتدعم واشنطن في الوقت نفسه مشروعات تعدين كبرى، من بينها «ريزوليوشن كوبر» في أريزونا و«توين ميتلز» في مينيسوتا، ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز إنتاج المعادن الحيوية محليًا.
وبينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى بناء قاعدة إنتاج محلية أكثر قوة، يبقى التحدي الرئيسي هو تحقيق هذا الهدف دون تحميل الشركات والمستهلكين تكلفة إضافية في وقت لا تزال فيه قضية الأسعار وتكلفة المعيشة من أبرز الملفات الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة.
