الجمعة 04 سبتمبر 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

لماذا صمد الاقتصاد الإيراني أمام حرب إيران ترمب والعقوبات الأمريكية؟

الخميس 03/سبتمبر/2026 - 11:55 م
الاقتصاد الإيراني
الاقتصاد الإيراني

رغم الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وتصاعد العقوبات الاقتصادية التي تستهدف خنق مصادر الدخل في طهران، لم يصل الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة الانهيار الكامل، بل أظهر قدرة لافتة على التكيف مع الضغوط المتراكمة.

وتأتي هذه الصمود في وقت كانت فيه إيران تعاني بالفعل أزمات اقتصادية حادة قبل اندلاع الحرب، شملت تراجع الناتج المحلي، وارتفاع التضخم، وانهيار سعر صرف الريال، وتراجع مستوى معيشة شريحة واسعة من السكان. ومع استمرار الحرب لأكثر من 6 أشهر، تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تكثيف الضغوط لإجبار طهران على تغيير سياساتها، لكن نجاح هذه الاستراتيجية لا يزال محل تساؤل.

خسائر ضخمة وضغوط معيشية متزايدة

أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى أضرار واسعة في مؤسسات ومنشآت حيوية، بينها مصانع ومستودعات للطاقة ومرافق للبنية الأساسية، وقدرت الحكومة الإيرانية حجم الخسائر الاقتصادية بنحو 270 مليار دولار حتى أبريل الماضي، وفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ.

كما أثر الحصار الأمريكي على قدرة إيران على تصدير النفط، إذ أشارت بيانات شركة كبلر إلى وجود ما لا يقل عن 41 مليون برميل من الخام الإيراني عالقة على متن ناقلات داخل الخليج في منتصف أغسطس الماضي.

ومع تراجع صادرات النفط والغاز ونقص الدولار في السوق، هبط الريال الإيراني إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.2 مليون ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية، بينما ارتفع التضخم السنوي إلى 87.9%.

وتزامن ذلك مع نقص في الوقود وطوابير أمام محطات الخدمة في طهران، في وقت توقع فيه صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% على الأقل خلال العام الجاري، وهي من أعلى معدلات الانكماش التي تشهدها البلاد منذ عقود.

الصين.. شريان اقتصادي لطهران

يمثل استمرار العلاقات التجارية مع الصين أحد أهم الأسباب التي حالت دون وصول الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الانهيار. فبكين تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتستحوذ على نحو 90% من صادرات طهران النفطية، ما يوفر لإيران مصدرًا مهمًا للعملة والإيرادات رغم العقوبات.

وتسمح الصين لمصافي النفط الخاصة بشراء الخام الإيراني، بينما تعتمد شركات إيرانية على بنوك صينية في تمويل شراء السلع والمنتجات، من خلال شبكة مالية معقدة تساعد على استمرار حركة التجارة.

ويرى اقتصاديون أن العقوبات الأمريكية الجديدة ستزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني، لكنها لن تكون كافية لخنقه طالما لم تستهدف الصين بصورة مباشرة، خاصة في ظل المخاوف الأمريكية من رد فعل بكين وتداعيات توسيع نطاق العقوبات.

كما أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في مضيق هرمز يفرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة وأوروبا أيضًا، وليس على إيران وحدها.

«المقاومة الاقتصادية» تتحدى العقوبات

على مدار سنوات العقوبات، طورت طهران ما تصفه بـ«المقاومة الاقتصادية»، القائمة على تقليل الاعتماد على الغرب، وتنويع طرق التجارة، وتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة.

وتسعى إيران إلى استخدام طرق برية وسكك حديدية تربطها بباكستان وأفغانستان والصين، إلى جانب الاستفادة من موانئها الشمالية على بحر قزوين لتسهيل التجارة مع روسيا، بما يقلل اعتمادها على الموانئ الواقعة بالقرب من مضيق هرمز.

وتعكس هذه السياسة خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات وتوفير السلع الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط التجاري، رغم ارتفاع التكلفة الاقتصادية.

ويؤكد خبراء أن حجم إيران وموقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الإقليمية تجعل فرض حصار اقتصادي كامل عليها أمرًا بالغ الصعوبة، حتى مع تشديد العقوبات والضغوط العسكرية.

دعم روسي وآسيوي يصعّب مهمة واشنطن

لا يقتصر الدعم الاقتصادي والسياسي لطهران على الصين، إذ تحافظ إيران على علاقات تجارية ودبلوماسية مع عدد من الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما ظهر خلال اجتماعات المنظمة في بشكيك.

وحصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على تأكيدات من قادة دول عدة بشأن أهمية استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران، بينهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بينما دعا الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى توسيع التعاون التجاري والاقتصادي مع إيران.

كما عرض رئيس قرغيزستان صدر جباروف على طهران الاستثمار في مصفاة نفط ببلاده، في حين أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن التحول نحو عالم متعدد الأقطاب «لا رجعة فيه».

ورغم عدم الإعلان عن اتفاقيات اقتصادية كبرى مع إيران خلال قمة شنغهاي، فإن استمرار العلاقات مع الصين وروسيا ودول الجوار يمثل تحديًا أمام استراتيجية واشنطن القائمة على خنق الاقتصاد الإيراني.

وبذلك، يبدو أن العقوبات والحرب نجحتا في زيادة معاناة الإيرانيين ورفع تكلفة الحياة وتوسيع الاختلالات الاقتصادية، لكنهما لم تنجحا حتى الآن في إسقاط الاقتصاد بالكامل، في ظل قدرة طهران على تنويع تجارتها والاستفادة من شركائها الإقليميين والدوليين.