الصكوك الضريبية
بين خفض الدين وتوسيع الحصيلة.. ماذا تعني الصكوك الضريبية وحزمة التسهيلات الثالثة في سياسة السيسي المالية؟
اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم بمدينة العلمين الجديدة، مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وأحمد كجوك، وزير المالية، لمتابعة عدد من الملفات الاقتصادية والمالية، وفي مقدمتها تطورات الأداء المالي، وخطط التعامل مع مخاطر تقلبات أسعار النفط، وتطورات المنظومة الضريبية، ومسار خفض دين أجهزة الموازنة.
وكشف الاجتماع عن مقترح جديد لإصدار «الصكوك الضريبية» يتم تمويلها من جانب الممولين، على أن تخصم قيمتها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، مع حصولهم على عائد مناسب، في خطوة تستهدف، بحسب ما أعلنته الرئاسة، خفض الاحتياجات التمويلية للدولة وبالتالي تقليل فاتورة خدمة الدين.
صكوك ضريبية لتقليل تكلفة التمويل
وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن الرئيس وافق على مقترح إصدار الصكوك الضريبية، بعد عرضه من وزير المالية، على أن يتم تمويلها من جانب الممولين وخصمها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية.
وتقوم الفكرة، وفق التفاصيل المعلنة، على إتاحة أداة تمويل للممولين يدفعون من خلالها أموالًا للدولة مقدمًا، مقابل الحصول على عائد، ثم تسوية هذه الأموال مع التزاماتهم الضريبية المستقبلية.
وتستهدف الحكومة من هذه الآلية تقليل الاحتياجات التمويلية، بما قد يساهم في خفض تكلفة الاقتراض وخدمة الدين، إلا أن تقييم الأثر المالي الكامل للأداة سيظل مرتبطًا بالتفاصيل التنفيذية، وفي مقدمتها قيمة العائد، وآجال الصكوك، وآلية التسوية، والفئات المستهدفة، وكيفية تسجيلها محاسبيًا ضمن حسابات الدولة.
ومن المهم التأكيد أن ما أُعلن حتى الآن يتعلق بمقترح لإصدار الأداة، وليس إعلانًا عن بدء طرحها أو تحديد شروط الاكتتاب فيها.
5.2% نموًا خلال أول 9 أشهر من العام المالي
واستعرض وزير المالية خلال الاجتماع نتائج الأداء المالي والاقتصادي، مشيرًا إلى أن معدل النمو الحقيقي للاقتصاد المصري بلغ 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026.
وأكد الوزير وجود تحسن في عدد من مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي خلال العام المالي الماضي، من بينها انخفاض قيمة المديونية الخارجية لأجهزة الموازنة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وزيادة الإيرادات غير الضريبية، إلى جانب تحسن أداء أسواق المال و البورصة المصرية، وانخفاض تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد والعائد على سندات الدولة المصرية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية في ظل سعي الحكومة إلى تحسين قدرة المالية العامة على تحمل أعباء خدمة الدين، بالتزامن مع استهداف خفض مستويات الدين مقارنة بحجم الناتج المحلي.
خفض دين أجهزة الموازنة
وخلال الاجتماع، تم استعراض تطورات مؤشرات دين أجهزة الموازنة، حيث أشارت الحكومة إلى نجاحها في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 13.2% خلال العامين الماضيين.
وتستهدف الحكومة مواصلة تحسين مؤشرات المديونية بصورة أكثر قوة، بما يتيح خلق حيز مالي أكبر يمكن توجيهه لدعم المواطنين وتحفيز الاستثمار.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتخفيف الضغط الذي تمثله خدمة الدين على الموازنة العامة، من خلال الجمع بين ضبط مستويات الدين، وتحسين الإيرادات، وتنويع أدوات التمويل.
حزمة ثالثة من التسهيلات الضريبية
وفي الملف الضريبي، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق حزمة التسهيلات الضريبية الثالثة، بعد استعراض وزير المالية تطورات تنفيذ الحزم السابقة.
وأشار الوزير إلى دخول قوانين الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية حيز التنفيذ بعد التصديق عليها، مؤكدًا أن الإجراءات تستهدف تبسيط المنظومة الضريبية وخفض الأعباء الإجرائية على الممولين، وتحسين بيئة الأعمال وزيادة جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمار.
كما استعرض وزير المالية تطبيقات الرقمنة في المنظومة الضريبية، بما في ذلك تطبيق خاص بإجراءات الضريبة العقارية، إلى جانب الاستعداد لإطلاق تطبيق ومنظومة مماثلة خاصة بضريبة التصرفات العقارية.
وأكد الرئيس أهمية مواصلة تطوير المنظومة الضريبية وتحسين الخدمات المقدمة للممولين، مع توفير مزيد من التسهيلات وبناء الثقة مع مجتمع الأعمال.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار توجه حكومي يستهدف زيادة الحصيلة الضريبية من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وتبسيط الإجراءات، والميكنة، وتحسين الالتزام والتحصيل، وليس فقط من خلال زيادة معدلات الضرائب.
دعم التحول إلى الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المخلفات
كما عرض وزير المالية عددًا من المبادرات الجديدة التي تستهدف دعم القطاع الصناعي وتشجيعه على التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية، إلى جانب تمويل مشروعات إعادة تدوير المخلفات الصلبة وتحويلها إلى وقود بديل.
وتهدف هذه المبادرات إلى خفض تكلفة تنفيذ المشروعات، مع تحقيق عوائد اقتصادية وبيئية، ودعم توجه الدولة نحو زيادة كفاءة استخدام الطاقة وتعزيز الاستدامة في القطاع الصناعي.
توجيه رئاسي لضمان حرية الوصول إلى الشواطئ
وفي ملف مختلف، وجه الرئيس السيسي بالتنفيذ الصارم للقوانين والتشريعات والقرارات الجمهورية المتعلقة باستغلال الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية المطلة على الشواطئ المصرية.
ووجه بتشكيل لجنة بشكل فوري من أجهزة الدولة المعنية، لتفقد الأوضاع على الأرض والتأكد من ضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ وفقًا للضوابط القانونية ذات الصلة.
كما شدد الرئيس على حظر إقامة أي منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ دون الحصول على الموافقات المسبقة من الجهات المختصة.
ويعكس هذا التوجيه رغبة في تشديد الرقابة على المشروعات الساحلية والتأكد من الالتزام بالقواعد المنظمة لاستغلال الأراضي والشواطئ، مع الحفاظ على حق المواطنين في الوصول إليها وفقًا للقانون.
لجان لمتابعة المشروعات العقارية
كما وجه الرئيس بتشكيل لجنة لمتابعة المشروعات العقارية الجاري تنفيذها في مختلف محافظات الجمهورية، للتأكد من الالتزام بمواعيد تسليم الوحدات للمشترين، واحترام العقود المبرمة معهم، والانتهاء من أعمال البنية الأساسية الخاصة بالمشروعات.
وشدد التوجيه الرئاسي على ضرورة محاسبة المخالفين، مع رفع تقارير دورية إلى الرئيس بشأن الإجراءات التي يتم اتخاذها في هذا الملف.
الرسالة الأوسع للاجتماع
ويكشف اجتماع الرئيس مع رئيس الوزراء ووزير المالية عن مجموعة من المسارات المتوازية في إدارة الاقتصاد والمالية العامة، أبرزها خفض الدين، وتقليل تكلفة التمويل، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب تعزيز الرقابة على المشروعات وحماية حقوق المواطنين.
ويبرز مقترح الصكوك الضريبية باعتباره أحد أكثر الملفات الجديدة إثارة للاهتمام، إذ يسعى إلى توفير تمويل للدولة من الممولين مقابل عائد وتسوية مستقبلية مع الالتزامات الضريبية.
غير أن الحكم على مدى نجاح الأداة في خفض تكلفة الدين أو تحسين وضع المالية العامة يتطلب انتظار تفاصيلها التنفيذية، خصوصًا ما يتعلق بالعائد، وآجال الاستحقاق، وحجم الإصدارات، وآلية الخصم من الضرائب، والمعالجة المحاسبية والمالية لهذه الالتزامات.
وبذلك، لا يقتصر مضمون الاجتماع على إجراءات ضريبية أو مالية منفردة، وإنما يعكس توجهًا أوسع نحو إدارة أكثر كفاءة لموارد الدولة، وتنويع أدوات التمويل، وتحسين التحصيل، وتقليل أعباء الدين، مع تشديد الرقابة على الاستثمار العقاري والساحلي.



