انقسام داخل الفيدرالي الأمريكي.. ضغوط متزايدة لرفع الفائدة قبل سبتمبر
يتزايد الانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة، في ظل استمرار التضخم أعلى من المستوى المستهدف، بالتزامن مع ظهور مؤشرات مقلقة بشأن أداء سوق العمل، ما يضع صناع السياسة النقدية أمام معادلة صعبة قبل اجتماع سبتمبر المقبل.
ويحاول مسؤولو الفيدرالي الموازنة بين مخاطر التحرك نحو تشديد السياسة النقدية مبكرًا، بما قد يضغط على النشاط الاقتصادي والتوظيف، وبين الانتظار لفترة أطول، وهو ما قد يسمح باستمرار الضغوط التضخمية وترسخها.
ضغوط لرفع الفائدة
أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة القياسي دون تغيير خلال اجتماعه الأخير، إلا أن تصريحات عدد من المسؤولين كشفت عن اتساع دائرة الأصوات التي ترى ضرورة التحرك نحو رفع الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وانضم عدد من أعضاء لجنة السوق المفتوحة غير المصوتين إلى ثلاثة مسؤولين كانوا قد فضلوا رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يوليو، ما يعكس اتساع مساحة الخلاف داخل البنك المركزي بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.
ويرى مؤيدو رفع الفائدة أن استمرار التضخم فوق المستهدف لفترة طويلة يزيد مخاطر فقدان السيطرة على توقعات الأسعار، خاصة مع استمرار قوة الطلب والإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات، إلى جانب تيسير الأوضاع المالية.
التضخم يربك حسابات الفيدرالي
ولا يزال التضخم يمثل التحدي الأكبر أمام البنك المركزي الأمريكي، إذ لم يحقق تقدمًا بالسرعة الكافية نحو هدف الفيدرالي البالغ 2%.
وأظهرت البيانات وصول مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.5% في يونيو، بينما سجل مقياس التضخم الأساسي المفضل لدى الفيدرالي نحو 3.3%، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية فوق المستوى الذي يستهدفه البنك.
ويتوقع مسؤولو الفيدرالي عودة التضخم إلى مستهدف 2% بحلول عام 2028، لكن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة يثير تساؤلات بشأن قدرة السياسة الحالية على إعادة التضخم إلى المسار المستهدف خلال الفترة المحددة.
سوق العمل يفرض معادلة مختلفة
في المقابل، لا تمنح بيانات سوق العمل الفيدرالي مساحة واسعة للتحرك نحو تشديد السياسة النقدية دون حساب المخاطر.
وكشف تقرير الوظائف الأخير عن انخفاض في التوظيف خلال يوليو، إلى جانب مراجعة بيانات الشهرين السابقين بالخفض، ما أعاد المخاوف من احتمال تعرض سوق العمل لمزيد من التباطؤ.
وتحذر الأصوات المعارضة لرفع الفائدة من أن التشديد النقدي المبكر قد يؤدي إلى إضعاف سوق العمل بصورة أكبر، خاصة أن تأثير قرارات السياسة النقدية يحتاج إلى وقت حتى يظهر بصورة كاملة على النشاط الاقتصادي والتوظيف.
أعضاء الفيدرالي منقسمون
وتبرز الخلافات بوضوح بين أعضاء البنك المركزي، إذ يرى بعض المسؤولين أن الضغوط التضخمية الحالية قد تكون مؤقتة، خصوصًا مع احتمال تراجع تأثير الرسوم الجمركية وانخفاض أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.
وقالت عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك إن التشديد المبكر قد يضر بسوق العمل، مشيرة إلى وجود عوامل يمكن أن تساعد على خفض التضخم دون الحاجة إلى مزيد من رفع الفائدة.
وفي الاتجاه المقابل، يرى مسؤولون آخرون أن قوة الطلب والإنفاق الاستهلاكي والاستثمار، إلى جانب تحسن الأوضاع المالية، تشير إلى أن السياسة النقدية الحالية قد لا تكون مقيدة بالقدر الكافي لكبح التضخم.
وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيف شميد إنه لا يعتبر الموقف الحالي للسياسة النقدية مقيدًا، مؤكدًا تأييده لمزيد من التشديد للسيطرة على التضخم.
اجتماع سبتمبر تحت الأنظار
وتتجه أنظار الأسواق إلى بيانات التضخم المقبلة قبل اجتماع سبتمبر، وعلى رأسها تقرير أسعار المستهلكين، باعتبارها من أهم المؤشرات التي قد تحدد اتجاه القرار المقبل.
وتراجعت توقعات الأسواق لاحتمال رفع الفائدة في الاجتماع المقبل إلى نحو 40%، مقارنة بأكثر من 50% قبل صدور تقرير الوظائف، في إشارة إلى أن المخاوف بشأن سوق العمل بدأت تؤثر على رهانات المستثمرين.
كما يترقب المستثمرون الندوة الاقتصادية السنوية في جاكسون هول، وخطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، بحثًا عن أي إشارات بشأن مستقبل السياسة النقدية.
مصداقية الفيدرالي في دائرة الخطر
ولا يقتصر الجدل داخل الفيدرالي على البيانات الاقتصادية فقط، بل امتد إلى مسألة مصداقية البنك المركزي وقدرته على تحقيق هدف التضخم.
وأثارت تصريحات وارش عقب اجتماع يوليو تحركات في أسواق السندات، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل وزيادة توقعات التضخم لدى الأسواق.
ومع استمرار التضخم فوق مستهدف الفيدرالي منذ سنوات، يرى بعض الاقتصاديين أن البنك المركزي يواجه اختبارًا مزدوجًا: السيطرة على الأسعار دون التسبب في إضعاف حاد لسوق العمل، والحفاظ في الوقت نفسه على ثقة الأسواق في قدرته على إدارة السياسة النقدية.
وبذلك، تبدو اجتماعات الفيدرالي المقبلة مرشحة لمزيد من الانقسامات، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم والوظائف لتحديد ما إذا كان البنك المركزي سيتجه نحو رفع الفائدة أم يفضل الانتظار لمراقبة تطورات الاقتصاد.








