1.77 مليار دولار من صندوق النقد لمصر.. دعم مؤقت أم عبء جديد على الاقتصاد؟
وافقت مصر على الحصول على شريحة تمويل جديدة من صندوق النقد الدولي بقيمة 1.772 مليار دولار، في خطوة تمنح الاقتصاد سيولة إضافية وسط ضغوط مالية ونقدية مستمرة، لكنها في الوقت نفسه تعيد النقاش حول قدرة الاقتراض الخارجي على معالجة الاختلالات الاقتصادية، ومدى الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تقلل الاعتماد على التمويل الدولي.
وتباينت آراء الخبراء حول تأثير التمويل الجديد، فبينما يرى فريق أن القرض يوفر متنفسًا مؤقتًا ويساعد على الوفاء بالالتزامات العاجلة، يرى آخرون أن الحل المستدام يتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات والاستثمار، بما يسمح للاقتصاد بتوفير احتياجاته من العملة الأجنبية بعيدًا عن الاقتراض المتكرر.
خبراء: القرض يوفر سيولة لكنه لا يحل الأزمة
قال الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن برامج صندوق النقد الدولي ترتبط عادةً بمجموعة من الالتزامات والإصلاحات التي تتضمن الانضباط المالي وإعادة توجيه الإنفاق والإصلاح الضريبي، إلى جانب سياسات تتعلق بأسعار الفائدة وسعر الصرف والتجارة الخارجية وتشجيع الاستثمار الأجنبي وخصخصة بعض الشركات الحكومية.
ويرى الميرغني أن تنفيذ هذه السياسات خلال السنوات الماضية انعكس، من وجهة نظره، على الأوضاع المعيشية، مشيرًا إلى ارتفاع تكاليف بعض الخدمات وتقليص الدعم، إلى جانب الضغوط التي تواجهها الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
ودعا إلى تبني سياسة اقتصادية تركز على زيادة الإنتاج المحلي والادخار وخفض مستويات الاستدانة، مع توجيه الاستثمارات بصورة أكبر إلى قطاعات الزراعة والصناعة، إلى جانب دعم المنتج المحلي وتوفير التمويل بتكلفة مناسبة.
كما اقترح إجراء إصلاحات ضريبية تشمل توسيع قاعدة الضرائب وتطبيق ضريبة على الثروة وتفعيل الضرائب العقارية، معتبرًا أن زيادة الإنتاج المحلي من شأنها دعم الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز القدرة على التصدير.
7.3 مليار دولار إجمالي تمويلات البرنامج
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح إن الشريحة الجديدة البالغة 1.772 مليار دولار تتوزع بين 1.5 مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد و272 مليون دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، ليرتفع إجمالي ما حصلت عليه مصر في إطار البرنامج إلى نحو 7.3 مليار دولار.
وأوضح أن التمويل الجديد يمنح الموازنة العامة مساحة مؤقتة للتعامل مع الضغوط المالية، لكنه لا يمثل حلًا مستدامًا ما لم ينجح الاقتصاد في توليد موارد العملة الأجنبية من خلال زيادة الصادرات والاستثمار والإنتاج الصناعي.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري حقق نموًا حقيقيًا بنسبة 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، إلا أن هذا النمو تزامن مع تحديات هيكلية، من بينها تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 2%، واستمرار مؤشر مديري المشتريات عند 46 نقطة، وهو مستوى يشير إلى انكماش النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن الفجوة الدولارية لا تزال من أبرز التحديات، مع تسجيل عجز الحساب الجاري 14.6 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مارس 2025/2026، وعجز الميزان التجاري 47.8 مليار دولار، إلى جانب خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين بقيمة 4.4 مليار دولار.
خدمة الدين تضغط على موارد النقد الأجنبي
لفت أبو الفتوح إلى أن التمويل الجديد يوفر سيولة عاجلة، لكنه يضيف في المستقبل التزامات تتعلق بسداد أصل الدين والفوائد، مشيرًا إلى أن مصر سددت خلال العام المالي 2024/2025 نحو 38.7 مليار دولار لخدمة الدين الخارجي، منها 30.2 مليار دولار أقساطًا و8.5 مليار دولار فوائد.
ويرى أن تكلفة الاقتراض تنعكس بصورة غير مباشرة على المواطنين من خلال ارتفاع الضرائب وأسعار الوقود والنقل وتكاليف الإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات وارتفاع تكلفة المعيشة.
وأشار إلى أن الاتفاق الحالي مع صندوق النقد الدولي ينتهي في 15 ديسمبر 2026، مؤكدًا أن القروض يمكن أن تساعد في تجاوز الأزمات المؤقتة، لكن تقليل الاعتماد عليها يتطلب تحولًا نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على التصدير وتوليد موارد النقد الأجنبي ذاتيًا.
