الإثنين 29 يونيو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

من إدارة المشروعات إلى إدارة العائد الاقتصادي

كيف تفكر راندة المنشاوي؟ قراءة في ملامح 140 يومًا من الإدارة الجديدة داخل وزارة الإسكان

الإثنين 29/يونيو/2026 - 12:02 ص
كيف تفكر راندة المنشاوي؟
كيف تفكر راندة المنشاوي؟ قراءة في ملامح 140 يومًا من الإدارة

لم يكن مرور نحو 140 يومًا على تولي المهندسة راندة المنشاوي حقيبة وزارة الإسكان كافيًا لإطلاق أحكام نهائية على أدائها، لكنه كان كافيًا لرسم ملامح واضحة لطريقة تفكيرها، والتي تختلف في بعض تفاصيلها عن المدرسة التقليدية لإدارة الوزارة، دون أن تبتعد عن الثوابت الرئيسية للدولة في ملف التنمية العمرانية.

فالمتابع لتحركات الوزيرة يلاحظ أن أجندة العمل لم تعد تقتصر على افتتاح مشروع أو متابعة نسب تنفيذ، بل امتدت إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا بعد التنفيذ؟ وكيف يمكن أن تتحول المشروعات القومية إلى أصول منتجة تحقق عائدًا اقتصاديًا وتوفر فرص عمل وتجذب استثمارات جديدة.

من «البناء» إلى «تشغيل المدن»

الملف الأكثر حضورًا في تحركات الوزيرة كان مدينة العلمين الجديدة، لكن اللافت أن التركيز لم يقتصر على الإنشاءات فقط بل ارتكز بشكل أكبر على التشغيل. حيث متابعة تشغيل المدينة التراثية، والبحيرة الرئيسية، والمنطقة التجارية، ومركز المؤتمرات، والمسرح الروماني، ومجمع السينمات، تكشف أن الأولوية أصبحت خلق مدينة نابضة بالحياة، وليس مجرد مشروع عمراني مكتمل على الورق.

هذه الرؤية تعكس تحولًا في الفكر الإداري داخل الوزارة، يقوم على أن نجاح المدينة لا يقاس بعدد الأبراج، وإنما بعدد السكان والزوار والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية التي تحتضنها.

وزيرة الإسكان

العقار.. من منتج محلي إلى سلعة للتصدير
من أكثر الملفات التي حظيت بزخم واضح

خلال الفترة الماضية، ملف تصدير العقار المصري. فالاجتماعات المشتركة مع وزارة الاتصالات لإطلاق منصة رقمية لتصدير العقار، إلى جانب التعاون مع منظمي معارض "عقارات النيل" ومشروع "منازل" بالسعودية، تعكس إدراكًا بأن السوق العقارية المصرية تمتلك فرصة حقيقية للمنافسة إقليميًا إذا تم تسويقها بصورة احترافية.

وهنا يبدو أن الوزيرة لا تنظر للعقار باعتباره قطاع إنشاءات فقط، وإنما باعتباره أحد مصادر العملة الأجنبية وداعمًا مباشرًا للاقتصاد الوطني.

متابعة ميدانية أكثر من الاجتماعات

خلال الأشهر الماضية، لم تقتصر المتابعة على الاجتماعات داخل مقر الوزارة.

تقارير الجولات الميدانية أصبحت عنصرًا ثابتًا في كل الملفات تقريبًا، سواء في الإسكان الاجتماعي أو "حياة كريمة" أو المدن الجديدة أو مشروعات المرافق.

الرسالة التي تبدو واضحة هي أن الوزارة تريد قياس الإنجاز من أرض الواقع، وليس من التقارير المكتبية فقط.

ولهذا تكررت توجيهات الوزيرة بتكثيف المرور الميداني، وتسريع التنفيذ، وإزالة المعوقات بشكل فوري.

الإسكان.. ليس وحدات فقط

المهندسة راندا المنشاوي وزيرة الإسكان

رغم استمرار الاهتمام بمشروع "سكن لكل المصريين"، فإن القراءة الأعمق لتحركات الوزارة تكشف أن التفكير تجاوز مجرد تسليم الوحدات.

فالوزيرة تتحدث باستمرار عن الخدمات، والمرافق، والمناطق التجارية، والأنشطة الاستثمارية، بما يعكس فلسفة إنشاء مجتمع عمراني متكامل، وليس تجمعًا سكنيًا فقط.
كما أن إدخال القطاع الخاص كشريك في تنفيذ وحدات المبادرة الرئاسية يمثل مؤشرًا على اتجاه الوزارة إلى تنويع أدوات التنفيذ وزيادة المعروض السكني دون تحميل الدولة كامل الأعباء التمويلية.

المياه.. أمن قومي قبل أن تكون خدمة

ملف مياه الشرب والصرف الصحي جاء حاضرًا بقوة أيضًا. سواء من خلال متابعة مشروعات "حياة كريمة"، أو الخطة الاستراتيجية لتحلية مياه البحر حتى عام 2050، أو إصدار قانون تنظيم مرفق المياه، أو إطلاق حملات لترشيد الاستهلاك.

هذه التحركات تعكس قناعة بأن إدارة المياه أصبحت أحد ملفات الأمن القومي، وأن الوزارة لم تعد تنظر إليها باعتبارها خدمة تقليدية، وإنما موردًا استراتيجيًا يحتاج إلى تشريعات وتكنولوجيا وتوعية مجتمعية في الوقت نفسه.

الانضباط العمراني أولوية لا تقل عن البناء

في الوقت الذي تستمر فيه الوزارة في تنفيذ آلاف الوحدات السكنية، لم تغفل ملف مواجهة المخالفات.
قرارات إزالة البناء المخالف، وحملات غلق الأنشطة غير المرخصة، وسحب الأراضي غير المستغلة، تعكس اتجاهًا واضحًا للحفاظ على هوية المدن الجديدة ومنع تكرار العشوائيات التي عانت منها بعض المناطق سابقًا.
فالرسالة هنا أن التنمية لا تكتمل بالبناء فقط، وإنما بحماية ما تم بناؤه.

خيط واحد يربط كل الملفات

عند جمع هذه الملفات معًا، يظهر خيط واضح يربط بينها جميعًا. العلمين الجديدة، والإسكان الاجتماعي، وتصدير العقار، وتحلية المياه، والحوكمة الرقمية، ومواجهة المخالفات، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات ضمن رؤية واحدة تقوم على تعظيم الاستفادة من استثمارات الدولة، ورفع كفاءة الإدارة، وتحويل المشروعات القومية إلى مشروعات مستدامة اقتصاديًا.

ماذا تقول أول 140 يومًا؟

ربما لا تكفي 140 يومًا للحكم على أي وزير، لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن راندة المنشاوي تدير الوزارة بعقلية تعتمد على المتابعة الدقيقة، وتسريع التنفيذ، وتعظيم العائد الاقتصادي، وربط التنمية العمرانية بالاستثمار والتحول الرقمي والاستدامة.
ويبقى التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة هو ترجمة هذه الرؤية إلى نتائج يشعر بها المواطن بصورة مباشرة، سواء في سرعة تسليم الوحدات، أو جودة الخدمات، أو زيادة الاستثمارات، أو تحسين كفاءة المرافق، وهي المؤشرات التي ستحدد في النهاية مدى نجاح هذه المقاربة الجديدة في إدارة واحدة من أكبر الوزارات الخدمية في الدولة.