الثلاثاء 26 مايو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

طفرة التكنولوجيا وأزمة النفط.. واقع اقتصادي جديد في آسيا

الثلاثاء 26/مايو/2026 - 07:32 م
الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

تشهد آسيا اليوم مفارقة اقتصادية غير مسبوقة تجمع بين ازدهار هائل تقوده شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من جهة، وأزمة طاقة خانقة تهدد ملايين الأشخاص بالفقر وتضغط على الاقتصادات التقليدية من جهة أخرى.

هذه الحالة التي وصفها الخبراء بـ «الاقتصاد على شكل K» لا تعكس مجرد تفاوت اقتصادي عابر، بل تكشف عن تحول هيكلي عميق قد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، بحسب إرم بنزنس. 

صدمة النفط تعيد رسم الخريطة الاقتصادية

في الوقت الذي تعاني فيه دول آسيوية عديدة من تداعيات أزمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب في إيران واضطراب الإمدادات النفطية، تحقق كبرى الشركات التكنولوجية أرباحاً قياسية وتواصل أسواق الأسهم تسجيل مستويات تاريخية.

وتبرز كوريا الجنوبية مثالا واضحا على هذا التناقض، فبينما حذرت السلطات من ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة إلى أدنى مستوياتها خلال 17 عاماً وخفضت توقعات النمو الاقتصادي، واصلت الشركات العملاقة تحقيق أرباح غير مسبوقة، كما سجلت البورصة مستويات قياسية.

وتعود جذور الأزمة إلى الاضطرابات التي طالت مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وقد أدى تراجع حركة الشحن في المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، ما وضع الاقتصادات الآسيوية المعتمدة على واردات الطاقة أمام تحديات كبيرة. 

الذكاء الاصطناعي يصنع رابحين جددا

في المقابل، خلقت الثورة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي واقعاً مختلفاً تماماً لبعض الاقتصادات الآسيوية، خصوصاً تلك التي تهيمن على صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.

وتتوقع تقارير دولية أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، بزيادة تعادل 25 ضعفاً مقارنة بعام 2023، فيما قد تتجاوز الاستثمارات في البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي ثلاثة تريليونات دولار خلال العامين المقبلين.

وتعد تايوان من أبرز المستفيدين من هذا التحول، إذ سجل اقتصادها نمواً بلغ 13.69% خلال الربع الأول من العام، وهو أعلى معدل خلال 39 عاماً. ويُعزى الجزء الأكبر من هذا الأداء إلى شركة Taiwan Semiconductor Manufacturing Company (TSMC)، التي تمثل أكثر من 40% من القيمة السوقية لبورصة تايوان.

كما حققت شركات الرقائق الكورية الجنوبية، وعلى رأسها Samsung Electronics وSK Hynix، أرباحاً قياسية خلال الأشهر الأولى من العام، بينما تجاوزت القيمة السوقية لـ «سامسونج» حاجز التريليون دولار. 

الفجوة تتسع بين دول آسيا

غير أن آثار هذه الطفرة التكنولوجية لا تتوزع بالتساوي. فالدول المتقدمة تكنولوجياً تمتلك احتياطيات طاقة أكبر وقدرة مالية أعلى على تحمل ارتفاع الأسعار وتأمين الإمدادات.

في المقابل، تواجه دول أخرى صعوبات أكبر في توفير الوقود والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي، نظراً لاعتمادها بشكل أكبر على الصناعات التقليدية والخدمات. 

ويرى اقتصاديون أن هذه الدول لا تستفيد بالقدر نفسه من عوائد الذكاء الاصطناعي، بينما تتحمل في الوقت ذاته الجزء الأكبر من الضغوط التضخمية الناتجة عن أزمة الطاقة.

ازدهار الأغنياء وضغط على الفقراء

هذا التباين الحاد أفرز ما يُعرف بـ «الاقتصاد على شكل  K»، وهو مصطلح يصف اتساع الفجوة بين الفئات الاقتصادية المختلفة، حيث تستمر الشرائح الأكثر ثراءً والشركات الكبرى في تحقيق المكاسب، بينما تواجه الفئات الأقل دخلاً مزيداً من الصعوبات.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب وأزمة الطاقة قد تدفع نحو 8.8 مليون شخص في منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى دائرة الفقر، كما قد تؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.8%.

وحتى داخل الاقتصادات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، لا تتوزع الثروة بشكل متوازن، ففي تايوان، لا توظف صناعة أشباه الموصلات سوى نحو 4% من القوى العاملة، لكن رواتب الموظفين الجدد فيها قد تصل إلى خمسة أضعاف رواتب نظرائهم في القطاعات الأخرى.

كما أن التركيز المفرط على قطاع واحد قد يحرم قطاعات أخرى من الموارد الأساسية مثل الكهرباء والاستثمارات. 

تحديات سياسية واقتصادية متصاعدة

تضع هذه التطورات الحكومات والبنوك المركزية أمام معضلة معقدة. فمن جهة، يتطلب الحفاظ على النمو دعم القطاعات المزدهرة، ومن جهة أخرى تستدعي مكافحة التضخم وحماية الفئات المتضررة سياسات مختلفة تماماً.

ويحذر الخبراء من أن استمرار اتساع الفجوة في الدخل قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، فضلاً عن إضعاف الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل بسبب تراجع القدرة الشرائية للأغلبية.

كما أن الاعتماد المفرط على قطاع التكنولوجيا يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات في حال تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي أو تفاقم أزمات الطاقة والمواد الخام. 

تحذير يتجاوز حدود آسيا

ورغم أن آثار هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحاً في آسيا حالياً، فإن تداعياتها قد تمتد إلى بقية العالم عبر التجارة وسلاسل التوريد العالمية. 

ويؤكد اقتصاديون أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تشهد نمطاً مشابهاً، حيث يدعم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي النمو الاقتصادي في الوقت الذي تتعرض فيه الأسر لضغوط متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي. 

وفي المحصلة، تكشف التجربة الآسيوية أن ازدهار التكنولوجيا لا يكفي وحده لضمان نمو اقتصادي متوازن، فحين تتراكم الثروة في قطاع محدود بينما تتعرض بقية القطاعات لضغوط متزايدة، يصبح النمو الاقتصادي أكثر هشاشة، وتتحول قصة النجاح التكنولوجي إلى إنذار مبكر بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.